الدكتور صالح الشقباوي
سوسيولوجيا فعل النكبة وإعادة إنتاج الذات الفلسطينية
من تفكيك المجتمع إلى أزمة الكينونة والهوية الوطنية
مقدمة: النكبة بوصفها حدثًا مؤسسًا في التاريخ الفلسطيني
لا يمكن فهم النكبة الفلسطينية باعتبارها مجرد واقعة تاريخية وقعت عام 1948، ولا بوصفها حدثًا عسكريًا انتهى بتغيير السيطرة على الأرض، بل ينبغي مقاربتها باعتبارها تحولًا بنيويًا عميقًا أصاب الوجود الفلسطيني في مستوياته المكانية والاجتماعية والسياسية والأنطولوجية. فالنكبة لم تقتلع الإنسان الفلسطيني من أرضه فحسب، وإنما أحدثت انقطاعًا قسريًا في علاقته بالمكان، وأربكت استمرارية حياته الاجتماعية، وأعادت تشكيل وعيه بذاته وبالآخر وبالمستقبل.
ومن هذا المنطلق، أقترح النظر إلى النكبة بوصفها فعلًا تاريخيًا استعماريًا استهدف تفكيك شروط الوجود الفلسطيني على أرضه، وأنتج في الوقت نفسه تحولات عميقة في بنية الذات الفلسطينية ووعيها الوطني. فالاقتلاع لا يعني فقدان المكان المادي وحده، بل يعني أيضًا اضطراب العلاقة بين الذاكرة والجغرافيا، وبين الانتماء والمواطنة، وبين الفرد والجماعة، وبين الماضي الذي انقطع والحاضر الذي تشظّى والمستقبل الذي أصبح موضع صراع.
إن السؤال السوسيولوجي المركزي هنا لا يتعلق بما حدث للفلسطينيين فحسب، بل بكيفية استمرارهم بوصفهم شعبًا، وكيف استطاعوا إعادة إنتاج ذاتهم الوطنية رغم انهيار جانب كبير من مؤسسات مجتمعهم، وتوزعهم على جغرافيات سياسية وقانونية واجتماعية متباينة.
أولًا: النكبة وتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية
تُعدّ النكبة نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ تشكّل المجتمع الفلسطيني الحديث؛ إذ أدت إلى تفكيك جانب كبير من البنية الاجتماعية التي كانت تربط الإنسان بالأرض والقرية والمدينة وشبكات القرابة والعمل والتبادل الاقتصادي. ولم يكن فقدان الأرض مجرد خسارة عقارية، بل مثّل انهيارًا في منظومة العلاقات التي كانت تمنح المجتمع قدرته على إعادة إنتاج حياته اليومية وهويته المحلية والوطنية.
لقد ارتبطت الأرض في الوعي الفلسطيني بالملكية والعمل والذاكرة والنسب والكرامة، ولذلك فإن انتزاعها لم يؤدِّ إلى تغيير شروط العيش فقط، بل أصاب البنية الرمزية التي كان الفلسطيني من خلالها يفهم وجوده ويحدد موقعه في العالم.
ومن منظور علم الاجتماع التاريخي، يمكن فهم هذه العملية باعتبارها تفكيكًا قسريًا للعالم الاجتماعي الفلسطيني وإعادة توزيع لأفراده داخل فضاءات جديدة، تحكمها أنظمة قانونية وسياسية واقتصادية مختلفة.
فقد وجد الفلسطيني نفسه أمام تحولات لم يخترها: لاجئًا في دولة مجاورة، أو نازحًا داخل وطنه، أو مواطنًا يعيش تحت نظام سياسي وقانوني مختلف، أو إنسانًا محاصرًا داخل جغرافيا محدودة. وهكذا لم تعد التجربة الفلسطينية تجربة اجتماعية واحدة متجانسة، بل أصبحت مجموعة من التجارب التي تتباين في شروط الحياة، وتتحد في الذاكرة التاريخية والمطالبة بالحقوق الوطنية.
ومع ذلك، فإن تفكك البنية الاجتماعية لا يعني اختفاء المجتمع بصورة كاملة؛ فقد استطاع الفلسطينيون إعادة بناء شبكات القرابة والتكافل والتعليم والعمل والتنظيم السياسي في بيئات جديدة. ومن هنا تبرز مفارقة النكبة: لقد نجحت في تفكيك جانب واسع من المجتمع الفلسطيني المكاني، لكنها لم تنجح في إنهاء وجوده بوصفه جماعة تاريخية صاحبة حق في تقرير مصيرها.
ثانيًا: من الجغرافيا الواحدة إلى تعدد التجارب والهويات
أنتجت النكبة، وما تلاها من حروب واحتلالات ونزوح وهجرة قسرية، خريطة اجتماعية فلسطينية شديدة التعقيد. فلم يعد الفلسطينيون يعيشون ضمن مجال جغرافي وسياسي موحد، بل توزعوا بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 ومخيمات اللجوء والشتات البعيد.
هذا التوزع لم يكن مجرد اختلاف في أماكن الإقامة، وإنما أدى إلى نشوء أنماط متباينة من الخبرة الاجتماعية والوعي السياسي والقانوني. فالفلسطيني في لبنان يواجه شروطًا قانونية ومهنية ومعيشية تختلف عن تلك التي يعيشها الفلسطيني في سوريا أو الأردن أو الجزائر أو ألمانيا. كما تختلف خبرة الفلسطيني في القدس عن خبرة الفلسطيني في غزة أو الضفة الغربية أو الأراضي المحتلة عام 1948.
ومن هنا يمكن التمييز بين مفهومين أساسيين:
الهوية الوطنية الجامعة، التي تستند إلى الانتماء إلى الشعب الفلسطيني وتاريخه وحقوقه ومصيره المشترك؛ والهويات الاجتماعية المتعددة، التي تتشكل بفعل البيئة القانونية والسياسية والثقافية التي يعيش فيها الفلسطيني.
ولا ينبغي النظر إلى هذا التعدد باعتباره نفيًا للوحدة الوطنية، بل باعتباره تعبيرًا عن اختلاف شروط إنتاج الهوية داخل شعب واحد. فالوحدة لا تعني التطابق التام بين التجارب، وإنما تعني القدرة على بناء أفق سياسي وأخلاقي مشترك يستوعب اختلافها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الهويات الاجتماعية، بل في تحولها إلى حدود مغلقة تفصل الفلسطيني عن أخيه، وتحوّل الاختلاف في شروط الحياة إلى تفاوت في الحقوق أو درجات الانتماء.
وعليه، فإن المشروع الوطني الفلسطيني مطالب بتحويل التعدد من عامل قابل للتفكك إلى مصدر للثراء الاجتماعي والسياسي، ومن اختلاف في التجارب إلى تكامل في النضال من أجل الحرية والعودة وتقرير المصير.
ثالثًا: الأونروا وإدارة اللجوء بين الحماية الإنسانية وإعادة إنتاج التصنيفات
لا يمكن دراسة تشكل الهوية الفلسطينية في الشتات دون التوقف عند الدور الذي أدته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، المعروفة بالأونروا. فقد شكّلت الوكالة، منذ تأسيسها، إطارًا أساسيًا لتقديم الخدمات الإنسانية والتعليمية والصحية والإغاثية لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
غير أن المقاربة السوسيولوجية تستدعي التمييز بين الوظيفة الإنسانية للوكالة وبين الآثار الاجتماعية المترتبة على أنظمة تسجيل اللاجئين وتصنيفهم وإدارة احتياجاتهم.
فالتصنيف الإداري، حين يرتبط بالحصول على المساعدة والخدمات، قد يتحول مع مرور الزمن إلى علامة اجتماعية تؤثر في الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه، وفي الطريقة التي تنظر بها الجماعات إلى بعضها بعضًا. وهنا يصبح من المشروع بحث الكيفية التي تفاعلت بها منظومة الإغاثة مع البنية الاجتماعية للاجئين، من دون اختزال أسباب الانقسام الفلسطيني فيها أو تحميلها مسؤولية تفكيك المجتمع.
إن المشكلة الأعمق ليست في تقديم المساعدة للإنسان المنكوب، بل في احتمال تحول حالة اللجوء المؤقتة إلى واقع اجتماعي ممتد عبر الأجيال، تتعايش فيه الحماية الإنسانية مع استمرار الحرمان من الحقوق الوطنية والسياسية.
لقد حافظت المخيمات، رغم قسوة شروطها، على جانب مهم من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وأصبحت فضاءات لإعادة إنتاج الانتماء والتضامن والتنظيم السياسي. ولذلك لا يجوز اختزالها في كونها أماكن للعوز، بل ينبغي فهمها باعتبارها فضاءات اجتماعية تحمل في داخلها آثار الاقتلاع، كما تحمل أشكال المقاومة الرمزية والسياسية له.
ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين الاعتراف بالحقوق الخاصة باللاجئين وبين استخدام التصنيفات الاجتماعية لإقامة مراتب داخل الجماعة الوطنية. فاللاجئ والمقيم والمواطن في أي نظام قانوني ليسوا بالضرورة فئات متطابقة في الحقوق والواجبات، لكنهم يظلون جزءًا من شعب واحد لا ينبغي أن تتحول اختلافات أوضاعهم إلى انتقاص من كرامتهم أو انتمائهم.
رابعًا: سوسيولوجيا الخوف والصمود: لماذا بقي الفلسطيني في أرضه؟
من الأسئلة التي تستحق الدراسة المقارنة: كيف تشكلت أنماط الاستجابة الفلسطينية في النكبة، وكيف تطورت مفاهيم الخوف والصمود والتضحية والتمسك بالأرض عبر الأجيال؟
إن الإجابة العلمية لا يمكن أن تقوم على إدانة جيل النكبة أو افتراض أنه كان أقل وعيًا أو شجاعة من الأجيال اللاحقة. فالناس الذين واجهوا المجازر والتهديدات العسكرية وانهيار شروط الحماية اتخذوا قراراتهم في سياقات تاريخية شديدة القسوة، تباينت فيها إمكانات المقاومة، وتفاوتت المعلومات المتاحة، واختلفت القدرة على الوصول إلى مناطق آمنة أو العودة إليها.
وقد تكون مغادرة المنزل، في بعض الحالات، استجابة اضطرارية لخطر مباشر على الحياة، لا تخليًا عن الأرض أو تنازلًا عن الحق فيها. كما أن بقاء جماعات أخرى في قراها ومدنها ارتبط بظروف محلية وعسكرية واجتماعية متفاوتة.
أما الأجيال الفلسطينية اللاحقة، فقد تشكل وعيها في سياق تاريخي مختلف، حمل معه ذاكرة النكبة، وتجارب الاحتلال، ونمو الحركة الوطنية، وتطور التعليم والتنظيم السياسي والإعلام، واتساع حضور الهوية الفلسطينية في المجالين العربي والدولي.
لقد تحولت الأرض، في أجزاء واسعة من الوعي الفلسطيني المعاصر، من مجال للعيش والعمل إلى رمز مركزي للاستمرارية الوطنية. وأصبح الرحيل القسري، في الذاكرة الجمعية، مرتبطًا بالخوف من تكرار تجربة اللجوء وفقدان المكان مرة أخرى.
لكن الصمود لا يُختزل في الموت فوق الأرض، ولا ينبغي أن يتحول إلى معيار أخلاقي يُحاكم به من اضطروا إلى مغادرتها. إن التمسك بالوطن يتجسد في أشكال متعددة: في البقاء، وفي العودة، وفي حفظ الذاكرة، وفي نقل الرواية إلى الأجيال الجديدة، وفي حماية الحياة، وفي مقاومة محاولات محو الهوية والحقوق.
ومن ثم، فإن السؤال الأعمق ليس: لماذا غادر بعض الفلسطينيين أرضهم عام 1948؟ بل: كيف تحولت تجربة الاقتلاع إلى وعي تاريخي جعل الحفاظ على الأرض والهوية ومنع التهجير المتجدد جزءًا مركزيًا من الوعي الوطني الفلسطيني؟
خامسًا: الذاكرة الفلسطينية بوصفها مقاومة لمحو التاريخ
لا تعمل الذاكرة الجمعية بوصفها مخزنًا محايدًا للأحداث الماضية، بل تؤدي دورًا أساسيًا في بناء الجماعة وتعريف ذاتها وإنتاج معنى استمرارها التاريخي.
وقد احتلت النكبة موقعًا مركزيًا في الذاكرة الفلسطينية؛ فهي ليست مجرد ذكرى لمأساة ماضية، بل تجربة ما زالت آثارها القانونية والاجتماعية والنفسية والسياسية ممتدة في الحاضر.
ومن منظور سوسيولوجيا الذاكرة، يمكن فهم المفتاح الذي يحتفظ به اللاجئ، أو اسم القرية الذي يتناقله الأبناء، أو الحكايات التي ترويها الجدات، باعتبارها ممارسات رمزية تعيد وصل الحاضر بمكان انقطع الاتصال المادي به.
إن المفتاح، في هذا السياق، ليس قطعة معدنية فحسب، بل علامة على حق وذاكرة وعلاقة تاريخية بالمكان. وتكمن دلالته في استمرار المطالبة بالعودة، لا في كونه بديلًا عن الأرض أو عن ممارسة الحقوق الوطنية.
غير أن الذاكرة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها أن تحقق العدالة التاريخية. فهي تحتاج إلى معرفة موثقة، وإلى بحث تاريخي واجتماعي، وإلى مؤسسات ثقافية وتعليمية تحفظ الرواية الفلسطينية وتضعها في مواجهة محاولات الإنكار والتزييف.
كما ينبغي ألا تتحول الذاكرة إلى حنين ساكن إلى الماضي؛ فوظيفتها الأعمق هي أن تمنح الحاضر قدرة على فهم جذور المأساة، وأن تساعد المستقبل على تجاوز شروط إنتاجها وتكرارها.
بهذا المعنى، تصبح الذاكرة شكلًا من أشكال المقاومة المعرفية: مقاومة لمحو المكان من الوعي، ولمحو الإنسان من التاريخ، ولمحو الحقوق من المجال السياسي والقانوني.
سادسًا: النكبة وأزمة الكينونة الفلسطينية
إذا انتقلنا من التحليل السوسيولوجي إلى المستوى الفلسفي، أمكننا القول إن النكبة أحدثت أزمة في الكينونة الفلسطينية، أي في شروط حضور الإنسان الفلسطيني في العالم وعلاقته بالمكان والزمان والآخر.
فالإنسان لا يوجد بوصفه كائنًا بيولوجيًا مجردًا، بل يتشكل وجوده داخل عالم من العلاقات واللغة والذاكرة والممارسة والانتماء. والمكان ليس حيزًا جغرافيًا محايدًا؛ إنه جزء من العالم الذي يمنح الحياة معناها، ويربط الفرد بتاريخ عائلته وجماعته ومجتمعه.
وعندما يُنتزع الإنسان قسرًا من مكانه، فإن ما يتعرض للاهتزاز ليس سكنه وحده، بل نظام المعاني الذي كان ينظم علاقته بالعالم. وهذا ما يجعل تجربة اللجوء الفلسطينية أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ إنها انقطاع في استمرارية الوجود اليومي، واضطراب في العلاقة بين الذات والعالم الذي كانت تتعرف إلى نفسها من خلاله.
ومن هنا يمكن قراءة النكبة بوصفها أزمة في العلاقة بين الكينونة والمكان، وبين الذاكرة والحضور، وبين الحق التاريخي والواقع السياسي.
لكن الكينونة الفلسطينية لم تختفِ مع فقدان السيطرة على الأرض. لقد أعادت إنتاج نفسها من خلال اللغة والعائلة والتعليم والأدب والمقاومة والعمل السياسي والذاكرة. وبذلك انتقل جزء من الحضور الفلسطيني من الوجود المكاني المباشر إلى أشكال رمزية وثقافية وسياسية حافظت على استمرارية الجماعة.
وهنا تبرز المفارقة الفلسفية الكبرى: استطاع الاقتلاع أن يغير شروط الوجود الفلسطيني، لكنه لم يستطع أن يلغي مطالبة الفلسطيني بمكانه أو أن ينهي علاقته التاريخية به.
فالذات الفلسطينية ليست مجرد ضحية لحدث ماضٍ، بل ذات تاريخية تعيد تفسير تجربتها، وتنتج خطابها، وتطالب بحقوقها، وتسعى إلى تحويل الذاكرة إلى مشروع للمستقبل.
وإذا كانت النكبة قد صنعت قطيعة في العلاقة بين الإنسان والمكان، فإن استعادة الكينونة الوطنية لا تتحقق بالذاكرة وحدها، وإنما بإعادة بناء شروط الحرية والحقوق والسيادة، وبإنهاء الظروف السياسية التي تحول دون ممارسة الفلسطيني حقه في تقرير مصيره.
سابعًا: نحو مفهوم جديد للوحدة الوطنية الفلسطينية
تواجه الهوية الفلسطينية اليوم تحديًا مزدوجًا: تحدي التشتت الجغرافي والقانوني والاجتماعي، وتحدي الانقسام السياسي الذي يضعف قدرة الشعب على تحويل وحدته التاريخية إلى مشروع وطني فعال.
إن بناء الوحدة لا يمكن أن يقوم على تجاهل الاختلافات أو المطالبة بإذابتها في هوية جامدة، كما لا يمكن أن يستند إلى اعتبار كل تجربة محلية كيانًا مستقلًا عن بقية التجارب الفلسطينية.
المطلوب هو تأسيس مفهوم للوحدة الوطنية يعترف بتعدد الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية، لكنه يرفض تحويلها إلى حدود تفصل بين أبناء الشعب الواحد.
وهذا يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين الداخل والشتات، وبين اللاجئ وغير اللاجئ، وبين الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال والفلسطيني الذي يحمل جنسية دولة أخرى، وبين الذاكرة التاريخية ومتطلبات الفعل السياسي الراهن.
فالوحدة ليست شعارًا لغويًا، بل عملية تاريخية ومؤسسية تحتاج إلى تمثيل سياسي ديمقراطي، ومشاركة حقيقية للفلسطينيين في الداخل والشتات، وصيانة الحقوق الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع والتعبير عن المصير المشترك.
إن الهوية الوطنية الجامعة لا تنشأ بمجرد تكرار اسم فلسطين، على أهمية الاسم ورمزيته، وإنما تتجسد عندما يشعر الفلسطيني بأن حقوقه وكرامته وصوته السياسي جزء من منظومة وطنية مشتركة، وأن اختلاف مكان إقامته لا يجعله أقل انتماءً أو أقل استحقاقًا للتمثيل والعدالة.
ومن هنا، فإن استعادة الوحدة لا تعني العودة إلى مجتمع ما قبل النكبة كما لو أن التاريخ يمكن أن يُمحى، بل تعني بناء صيغة وطنية جديدة تستوعب التحولات التي أنتجتها النكبة، وتحوّل الخبرات المتباينة إلى قوة مشتركة في مواجهة استمرار الاقتلاع والحرمان من الحقوق.
خاتمة: من جرح النكبة إلى استعادة الفاعلية التاريخية
تكشف المقاربة السوسيولوجية والفلسفية للنكبة أن المأساة الفلسطينية لم تكن حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل عملية تاريخية ممتدة أعادت تشكيل المجتمع والهوية والذاكرة والعلاقة بالمكان.
لقد أدى الاقتلاع إلى تفكيك جانب كبير من البنية الاجتماعية الفلسطينية، وأنتج تفاوتًا في التجارب القانونية والمعيشية، وأوجد أشكالًا متعددة من الوعي والانتماء. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا التشتت إلى اختفاء الذات الفلسطينية، بل دفعها إلى تطوير آليات جديدة لحفظ الذاكرة وإعادة إنتاج الهوية ومواصلة المطالبة بالحقوق.
إن فهم النكبة لا يستقيم إذا اقتصر على وصف ما ارتكبته الحركة الصهيونية من اقتلاع وتهجير ومجازر، على مركزية هذه المسؤولية التاريخية، كما لا يستقيم إذا تحوّل إلى محاكمة أخلاقية للضحايا على قرارات اتخذوها تحت ضغط الخوف والعنف وانعدام الحماية. إن التحليل العلمي يقتضي دراسة بنية القوة التي أنتجت المأساة، والظروف التي أحاطت باستجابات المجتمع الفلسطيني، والآليات التي سمحت باستمرار وجوده الوطني رغم تلك الظروف.
وعليه، فإن المهمة الفكرية الراهنة تتمثل في الانتقال من دراسة النكبة بوصفها ماضيًا مؤلمًا إلى فهمها بوصفها بنية تاريخية ما زالت آثارها حاضرة، ومن تحليل التشتت الفلسطيني إلى بناء شروط تجاوزه، ومن حفظ الذاكرة إلى تحويلها إلى معرفة ومؤسسات وفعل سياسي.
فالنكبة استطاعت أن تفصل الفلسطيني عن مكانه، لكنها لم تستطع أن تفصل فلسطين عن وعيه التاريخي. غير أن استمرار الارتباط بالوطن، مهما كانت قوته الرمزية، لا يعفي المشروع الوطني من مهمته الأساسية: تحويل الذاكرة إلى حق، والحق إلى فعل سياسي، والانتماء إلى مشروع للتحرر وتقرير المصير.
إن استعادة الكينونة الفلسطينية لا تعني مجرد استعادة المكان، بل تعني استعادة القدرة على الفعل في التاريخ، وبناء مجتمع حر يستطيع أن يحدد مستقبله بنفسه، وأن يجمع بين وحدة الهوية وتعدد التجارب، وبين الوفاء للذاكرة والانفتاح على المستقبل.
وبهذا المعنى، لا تكون فلسطين مجرد جغرافيا مفقودة أو ذاكرة مجروحة، بل مشروعًا تاريخيًا مفتوحًا لاستعادة الإنسان لحقه في الأرض والحرية والكرامة والسيادة.
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2