الأستاذة الدكتورة “آمنة ناجي الموشكي” تعمل موجهة تربويّة , ورئيسة لعدّة منتديات وروابط منها: منتدى الرابطة القلمية الثقافيّة – والرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربيّة فرع اليمن – وعضو الاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب – وعضو اللجنة الوطنية للمرأة – محاضرة في أدب الطفل – شاعرة وأديبة – منحت العديد من شهادة الدكتوراه الفخريّة والجوائز والأوسمة – صدر لها ديوان شعري بعنوان : عبرات شاعرة الوطن. ولها مئات القصائد التي نشرت في العديد من الصحف والمجلات اليمنيّة والمواقع الالكترونية العربيّة.
البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة “ما أبشع الظلم”:
يبدو أن الشاعر (أبو الطيب المتنبي) لم يكن مخطئا عندما قال :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلة لا يظلم.
بل كان مصيبا كل الاصابة فيما قال, فالظلم كما يرى الشاعر هو من أهم سمات وخصائص علاقتنا الاجتماعيّة بكل مفرداتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة, فهو يقع على الفرد مثلما يقع على المجتمع والدول أيضاً. وهذا الظلم بكل ما يحمل من مآسي استطاعت الشاعرة اليمنيّة “آمنة الموشكي” أن تصوره في قصيدة رائعة سمتها “ما أبشع الظلم”. فها هي تفتتح قصيدتها بقوله: (عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) فهي تريد القول هنا بأن الظلم عندما يحل لا يستثنى منه أحد, بل يتحول الظلم إلى شكل من أشكال الفعل والرد الفعل, حتى يصبح الجميع يمارسه على الجميع ليحل أخيراً الألم ويسكن كل فرد دون استثناء.
وأما الظلمة من العابثين بأرواح العباد, فتراهم كما تقول الشاعرة: (بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.. صم وبكم وفي أكبادهم حمم.. تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجلاً محروماً من أمه والأب.. ليس به روح وقد غاب عن دنياه يرتحل..). هنا نجد متاهة العنف كيف تمارس على الجميع فلا يسلم منها لا أب ولا أم ولا طفل.
نعم هو الظلم بكل بشاعته وقسوته.. هو العذاب الذي سلط على من عاش وكأنه ( مأسوراً خلف السور يشتعل).. في الوقت الذي ترى فيه نتيجة حصار الموت كما ترى الشاعرة (أكبادنا من شظايا القهر.. يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا).
لقد سدّتُ الآفاق وغاب الأمل في الخلاص ولم يبق إلا الله وحده قارب النجاة الذي ترفع له الأصوات بالدعاء للخلاص من المأساة, والذل والجور والقهر والمرض, لأناس شربوا كأس المنايا بدموع تحرق القلب والمقلتين معاً حيث تقول الشاعرة “الموشكي:
(يا (غارة الله) هيا حرري دولاً.. بالذل تقتات سم الجور والعلل.. أبناؤها من لظى نيرانها شربوا كأس المنايا بدمع أحرق
المقل…). ورغم كل المقاومة التي يبديها المظلومون بصمت, والمشبعة بأمنيات الخلاص من عذابهم, إلا أن هذه المقاومة ظلت أضغاث أحلام (في جوفها زلل.. وحلم يرقب الأجل.).
لقد غاب من يقاوم الظلم, وما عاد فيه روح تنقذ من أحاط به الظلم والهلاك من الضعفاء والمساكين حيث تقول الشاعرة: (غابوا وما عاد فيهم روح تنقذنا…مما نعاني ولا من حل يحتمل). ولم يبق إلا الله قد فوض الأمر له بكل عجزنا: (يارب قد مزقت كل الحبال وما.. عادت تقينا وما عدنا لها أمل …فأمنن علينا بحبل منك يوثقنا يا مالك الملك أنت الواحد الأزل.).
البعد الاجتماعي في القصيدة:
إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي, شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً, لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها, لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه, فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز, تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً يشكل جزءاً من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ, أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً…هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب, بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف. ولم تكن الشاعرة المبدعة الدكتورة “آمنة الموشكي” بعيدةً في تصوراتها وأحاسيسها وفكرها وهمومها عن هم الوطن والمواطن بشكل خاص, وعن الهم الإنساني بشكل عام. وهذا ما وجدناه في بنية القصيدة حيث تقول: (تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل… محروم من أمه والأب ليس به روح وقد غاب عن دنياه
يرتحل…ما أبشع الظلم ما أقسى العذاب على… من عاش مأسوراً خلف السور يشتعل..)
البعد الفني والجمالي للقصيدة:
البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:
يظل العنوان في سياقه العام يشكل المفتاح الدلالي لأي عمل أدبي شعراً كان أو قصة أو رواية, وعنوان قصيدة الشاعرة “آمنة الموشكي” (ما أبشع الظلم), جاء في حقيقته وبنيته الدلاليّة مطابقاً تماما لمضمون القصيدة, وقد بينا ذلك من خلال عرضنا للبنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة.
الصورة في النص الشعري:
تظل اللغة في نحوها وبلاغتها ومحسناتها البديعيّة, كالترادف, والطباق, والمقابلة, والتقديم والتأخير, والتورية, وكثرة الانزياحات اللغويّة, والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة, وتراكيب جملها, أداةً للتصوير الأدبي في الشعر. والشعر من الفنون الجميلة، له غاية جماليّة وفكريّة هي التأثير في المتلقي. والشاعر يصل لهذه الغاية عند جعل اللغة التي يستخدمها أكثر تأثيراً من خلال استخدامه للمفردات اللغويّة بطريقة إبداعيّة, تختلف عن الاستخدام العادي أو المعياري لها في حالة التداول اليومي المباشر بين الأفراد والجماعات. إن الشعر فن ينتهي إلى غايته الجماليّة والتوصيليّة عن طريق اللغة التي يشكل منها الشاعر عالمه الشعري. فالشعر كما يقول أحد النقاد هو(تفكير بالصور). أي إن الصورة هي أساس بناء الشعر.
إن الشاعر بوساطة التصوير الشعري، يقوم بعمليّة التخطي والتجاوز للمعني الإدراكي المباشر للأشياء، أي هو يقوم بإلغاء العلاقة الأصليّة الحقيقيّة الموجودة بين الدال والمدلول، محاولاً خلق علاقة جديدة بصور ذهنيّة مجازيّة, ورغم أنها متخيلة إلا أنها تشكل علاقة تظل مرتبطة في الواقع, فلا شيء يفرخ مجرداً حتى الوهم.
لقد استطاعت الشاعر “آمنة الموشكي”, أن تصور واقعها الاجتماعي عبر صور ذات حمولة فكريّة وعاطفيّة أو وجدانيّة عالية, جسدت المعنى المتخيل في نصها كمصورة فوتوغرافية, امتازت صورها بالوضوح أمام المتلقي الذي راح يتمتع بجماليّة هذه الصورة التي اعتمدت فيها الشاعرة التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. تقول:
(والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل…)…( صم وبكم وفي أكبادهم حمم ..تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل)… (أكبادنا من شظايا القهر يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا)… (أين الأجلاء في دنيا ممزقة بين الأسى والجفا تقتاتها الحيل؟.).
هكذا نرى أن الصورة الشعريّة بكل دلالاتها في هذا النص, لم تأت بها الشاعرة ” الموشكي” للتزيين والزخرفة اللفظيّة, وإنما جاءت تعبيراً أصيلاً أملته ظروف إحساسها بالظلم في كل تجلياته والذي ترك آثاره على حالتها النفسيّة والشعوريّة معاً، لذلك كانت الصور حاملاً أميناً لمشاعر الشاعرة وتُرجماناً لنفسية الشاعرة، ولصدق أحاسيسها وعواطفها.
اللغة في القصيدة:
جاءت اللغة في القصيدة سهلةً, واضحةً, سمحةً, ناصعةً, وفصيحة, ومسبوكة الألفاظ, منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها, كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هذا وتتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة “آمنة الموشكي” في قولها:
(عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) أو في قولها:( والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى.. أو بدمع الرفق تكتحل.). وفي قولها : (أبناؤها من لظى نيرانها شربوا
كأس المنايا بدمع أحرق المقل).
(الموسيقى في القصيدة:
رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها, وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة, وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة, التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة, ومع تأكيدنا على هذا الفرق بين موسيقى الخارج والداخل, إلا أن الشاعر الحديث المتمكن من حرفته يستطيع أن يلغي تلك الفروقات الطفيفة ليجعل من موسيقى قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته.
إن الشاعرة “الموشكي) التي بنت موسيقا قصيدتها على البحر (البسيط) بكل جمال موسيقاه القائمة على الوزن والقافية, غير أنها استطاعت وبجدارة أن تخلق موسيقا داخليّة لنصها الشعري من خلال, تناغم الحروف, وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها, وبالترابط ما بين المعنى والمبنى, حيث جاء الصوت أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. تقول الشاعرة “آمنة الموشكي”:
(أكبادنا من شظايا القهر يعصرها..قهر أشد من الإخوان إذ
خذلوا). أو في بوح رتمها الحزين حيث تقول: (عين تموت وعين مالها آمل ..والعين بالعين والآلام تكتمل.. والعابثون بأرواح العباد بلا.. عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.).
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أبشع الظلم. د. آمنة الموشكي:
عين تموت وعين مالها
آمل
والعين بالعين والآلام
تكتمل
والعابثون بأرواح العباد
بلا
عين ترى أو بدمع الرفق
تكتحل
صم وبكم وفي أكبادهم
حمم
تغلي فتقتل طفلاً باكياً
وجل
محروم من أمه والأب
ليس به
روح وقد غاب عن دنياه
يرتحل
ما أبشع الظلم ما أقسى
العذاب على
من عاش مأسوراً خلف
السور يشتعل
أكبادنا من شظايا القهر
يعصرها
قهر أشد من الإخوان إذ
خذلوا
يا غارة الله هيا حرري
دولاً
بالذل تقتات سم الجور
والعلل
أبناؤها من لظى نيرانها
شربوا
كأس المنايا بدمع أحرق
المقل
ثاروا بصمت في دور
معتقة
بالأمنيات التي في
جوفها الزلل
أعمارهم من سنين الشح
واقفة
ما بين خوفهم وحلم
يرقب الأجل
أين الأجلاء في دنيا
ممزقة
بين الأسى والجفا تقتاتها
الحيل؟.
غابوا وما عاد فيها روح
تنقذنا
مما نعاني ولا من حل
يحتمل
يارب قد مزقت كل
الحبال وما
عادت تقينا وما عدنا لها
أمل
فأمنن علينا بحبل منك
يوثقنا
يا مالك الملك أنت
الواحد الأزل.





