جاري التحميل...

دراسة نقديّة لقصة: “كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.”. للقاصة اليمنيّة وسيلة أمين سامي.

وسيلة أمين سامي – قاصة من اليمن.. نشر لها العديد من القصص القصيرة في جرائد ومجلات عربيّة.. مثل: الدستور العراقيّة, منبر التحرير المصريّة, الثورة اليمنية, الموقف الأدبي لاتحاد الكتاب العرب في سوريا, جريدة وإذاعة المواسم الأردنيّة, وغيرها الكثير. كما نشر لها في العديد من المواقع الالكترونيّة العربيّة داخل العالم العربي وخارجه,  مثل: موقع ساحة التحرير في العراق, وموقع السياسي في الأردن, والحوار نيوز في لبنان, ونشرة المحرر في المغرب, وصحيفة المثقف في المهجر, وموقع تللسقف في العراق.

ترجم لها بعض القصص القصيرة للغة الانكليزيّة.. طبعت لها مجموعة قصصيّة, والثانية تحت الطبع. لها بعض النصوص الشعريّة والنثريّة.

من بين أعمالها قمنا بدراسة هذه القصة وهي بعنوان: (“كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.”.

البنية السرديّة للقصة :

“أحمد” في الأربعين من عمره ..لم يزل شاباً أنيقاً .. فنان تشكيلي مشبع بأحاسيس الفن وشغفه.. في طريق عودته لمنزله يقع نظره على مظروف ملقى على قارعة الطريق.. يلتقطه وهو يلتفت يمنة ويسرى لعله يجد صاحبه.. يدفعه فضوله لفتح المظروف فيجد فيه مجموعة من الأوراق مسطر عليها كلام ساحر بلغة الشعر, يغلق المظروف ويتجه لمقهى قديمة قرب منزله ليشرب الشاي.. ثم يغادر إلى منزله البسيط في بنائه والغني الأنيق النظيف في أثاثه…  يدفعه فضوله لقراءة بقيّة الأوراق .. يسحره كلام (ريم) صاحبة المظروف .. حيث وجد فيه ما يحرك أحاسيسه كفنان تشكيلي: ( الألوان لا ترى نفسها .. لا تتهجى قوس قزح .. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة .. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس .. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار .. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا, تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج, وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة…فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك .. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام .. تشرب ضحوات النهارات .. تخاصر ألحان المساء.).

حرك هذا النص بجمال صياغته وصوره وعمق عبارته روح الفنان التشكيلي الذي أهمل الرسم منذ فترة.. كما حرك عنده الإحساس بالماضي أيضاً ذاك الفردوس المفقود عند الإنسان العربي بقولها: (  في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.  ). ذكره هذا الكلام  المشبع بأحاسيس الماضي بالعم (صالح), الذي وصل إلى الثمانين حولاً ولم يزل متصالحاً مع نفسه, وبروحه المرحة..  وسماته الهادئة.

(عصف عاطفي اجتاح مشاعره .. ماذا فعلت بي يا (ريم) .. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.).. كل هذه الحنين للماضي, وفيض مشاعر الحب التي فجرتها (ريم) دفعه لاقتحام غرفة الرسم التي أهملها منذ فترة طويلة حتى اعتلى الغبار كل مفرداتها.

قرر أخيراً أن يقيم معرضاً فنيّاً.. حضر له بجد ونشاط لعدّة أشهر. وبعد اكتمال لوحاته ونشر الإعلانات عن قيامه.. تم افتتاحه فعلاً .. جعل صورة متخيلة لـ (ريم) بعينين خضراوين, وصورة للعم (صالح) وسط صور معرضه.

كان عقله وحواسه وخلجات روحه – التي أقنعه حدسه بأن (ريم) ستأتي – كلها معلقة بباب المعرض… لم تهمه دعوة الإعلامي لإجراء مقابلة له فأجلها حتى لا تلهيه عن شغف انتظار من شغلت روحه وعقله.. فجأة اشتدت قبضته على المظروف, وعيناه متسمرتان على مدخل المعرض. وبعد حين دخلت فتاة .. قادتها خطاها لتلك اللوحة.. تسمرت وهي تنظر إليها.. خفق قلب (أحمد) بقوة.. اقترب منها وعقله يكاد يزيغ.. يا لهذا الشبه!!!. إنها هي بعينيها الخضراوين .. سألها برتباك:

– أنت ريم؟.

-أجابت: نعم وما أدراك .. هل تعرفني؟.

أشار للمظروف في يده: عرفتك من نصوصك ورسمتك من وحي خيالي.. وآن الأوان لتعرفيني أيضاً.

ابتسمت مبهورة وتاهت في تفاصيل اللوحة.

البنية الفكريّة للقصة:

تظل العاطفة عندنا نحن أبناء الشرق عموماً, والعرب على وجه الخصوص, هي من يحرك حياتنا في حاضرنا الذي لم يزل محكوما بالماضي من جهة, وتوقف زمن الحاضر والمستقبل على عتباته دائماً من جهة ثانية. فالمقهى القديم بكل أثاثه الخشبي القديم يذكرنا بهذا الماضي 🙁 مقهى شعبي بمقاعد وطاولات خشبية متهالكة, لو قدر لها أن تنطق لأسمعتك الشيء العجاب من ذكريات سنين وأجيال طال عليها العهد.. يقف شاهداً على زمن مضى وارتحل بصروفه وتقلباته. كما تظل ظلال الراحلين كضوء لم يخبو نوره يلفنا, في ذاكرتنا .. وفي ومرافئ حياتنا كلها:

(في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.).

أما ما تريد القصة قوله أيضاً هو الحديث عن عواطفنا المحمومة دائماً تجاه المرأة.. ففي الوقت الذي نتعامل معها بقسوة المجتمع الذكوري, تجدنا نحن ذاتنا نغني, ونرسم أجمل اللوحات, ونكتب أجمل القصائد, ونصنع أجمل الألبسة لها.. هي (عشتار وفينوس وديانا) .. وهي الملهمة .. وهي الحب والعشق والوجد كله.. وهي عند بطل قصتنا من نفضت عنه غبار الكسل وخمول الابداع, ومن حركت حدّسه لخلق صورة لها, فتأتي مطابقة لتصوره.. هذه هي المرأة التي أذهلت وأربكت بعض حروفها التي دونتها (ريم) على ورق قد أحيت (أحمد) من جديد.. لتجعله دون إرادته بعد أن أصابه عصف عاطفي اجتاح مشاعره ليقول بحالة من الهذيان :(ماذا فعلت بي يا (ريم) .. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.)..

البنية الفنيّة للقصيدة:

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

تأتي البنية السرديّة والفكريّة للقصة متفقة تماماً مع البنية الدلاليّة لعنوان القصة وهو: (كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.). فجماليّة الكلمات التي صاغت بها (ريم) جملها وعباراتها وصورها, وعمق دلالاتها, ورهافة أحاسيسها التي تجلت فيها وعبرها, قد حركت كل ما هو ساكن في عالم (أحمد), حيث شكلت له صدمة أعادت له وعيه الضائع في تفاصيل حياة مجانيّة أنسته دوره ومكانته كفنان تشكيلي يحمل رسالة في هذه الحياة.

الصورة في القصة:

تظل الصورة في سياقها العام, تركيباً لغوياً تُمكّن الأديب من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أو عاطفي/وجداني. فهي في المحصلة انعكاس للواقع العياني من جهة, ومتخيل أو مجاز لواقع  آخر من جهة ثانية, فمن خلال الصورة يكون المعنى متجلياً أمام المتلقي, حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة في الأدب بوصفها أيضاً أداة الأديب التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير, مثلما تعد مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة, ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه و الاستعارة و الكناية والتمثيل و حسن التعليل.

إن هذه المعطيات للصورة كلها تجلت حقيقة في تلك المواقف الذهنيّة التي جسدتها القاصة (وسيلة آمين) عبر أوراق  (ريم). فجماليّة الصورة في عيانيتها وتخيلها معا, لم تدهش (أحمد) فحسب, بل ساهمت في تحريك عواطفه وعقله معاً, وأعادت توجيه حياته من جديد, فراح يزيل الغبار ليس عن مرسمه الذي أهمله لفترة طويلة فحسب, بل عن جوهر حياته أيضاً كفنان تشكيلي له رسالة في هذه الحياة من جهة, وله قلب لم يزل يعشق الحياة ويعرف كيف يجدد حبه من جهة ثاني.

جميلة هي الصور التي رسمتها القاصة (وسيلة) كما جاء في متن القصة: ( الألوان لا ترى نفسها .. لا تتهجى قوس قزح .. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة .. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس .. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار .. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا, تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج, وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة. فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك .. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام .. تشرب ضحوات النهارات .. تخاصر ألحان المساء. ).

إن الصورة في القصة لم تأت للتزيين والزخرفة اللفظيّة, وإنما جاءت تعبيراً أصيلاً تمليه الحالة النفسيّة والوجدانيّة والفكريّة للقاصة (وسيلة).

الرمز في القصة :

الرمز في سياقه العام, أسلوب فني يستخدمه الأديب، بحسب تجربته الشّعوريّة أو نظرته الفنيّة، ويساهم في تشكيل المعنى الذي يودّ الأديب إيصاله إلى المتلقي. وبالتالي قد يكون الرمز كلمةً أو عبارةً أو إشارة أو شخصيّةً، أو اسم مكان، وهو يتضمن دلالتين، إحداهما مباشرةٌ وظاهرةٌ  تاريخيّة أو معاصرة لها حضورها في حياة الأمّة أو الشعب أو الفرد.. الخ، والأخرى باطنةٌ مرتبطةٌ بالمعنى المُراد تبليغه، مثل استخدام الحمامة رمزًا للسلام، والدماء رمزًا للحرب والقتل، والمطر رمزًا للخير، والميزان رمزًا للعدالة.

على العموم نستطيع القول: إن الرمز هو اقتصاد لغوي يكثف مجموعة من الدلالات والعلاقات في بيئة ديناميّة تسمح لها بالتعدد والتناقض … وهو لذلك علاج لنقض المنطق ،وضيق البنى التي ترفض التناقض والاختلاف، كما أنه علاج لجمود المعطيات والمفاهيم الثابتة. فمن خلال الرمز يمكن للأدب تجاوز الثبات للتعبير عن أوجه التناقض والحركة، أو الكشف عن الثنائيات المتقابلة التي تشمل الوجود الانساني.

ومن خلال قراءتنا للقصة يتبين لنا دور الرمز في بنائها السردي/ الحكائي والفكري معاً. فـ (وسيلة), قاصة لم يزل الماضي.. (الفردوس المفقود) بكل معطياته الماديّة والمعنويّة/ القيميّة, منطلقا لحاضرها ومستقبلها معاً, فهو (الفانوس) الذي تشعر بأن نوره على وشك الانطفاء والتلاشي : (في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.. هل تأملت وجوههم.. هل قرأت خارطة السنين مهرولة في ملامحهم .. تاركة خريفاً منحنٍ يلتقط بيع ذكريات لا تشيخ؟…أدنُ منهم .. سامر وحدتهم.. ليكونوا لك أنسا فكن أنيساً لهم.. منصتاً لحكاياتهم باهظات الحكمة والضياء.).

أحس أحمد أن في القلب دوحة استطالت بها غصون الشوق وتدلى منها شجن دامع, ووجوه من رحلوا تلوح.. تترى في أضلعه.. وهنا يتذكر (أحمد) العم( صالح) الرجل الذي بلغ الثمانين من عمره كرجل يمثل قيم الماضي .. متصالح مع نفسه, يمتاز بروح مرحة..  تزين ملامحه لحية بيضاء مرتبة.. هادئ السمات.. معتمراً كوفية أنيقة… شرب كثيراً من الحكمة ومن حكايا لا تخلو من الظرافة التي تنساب من حديثه.. وهو يحدق مدهوشاً في وجهه الذي شعر بأنه اختزل وجوه من رحل من العارفين.

اللغة في القصة:

لقد اعتنت القاصة (وسيلة) عناية بالغة باللغة التي صيغت بطريقة أقرب إلى الشاعريّة. حيث تجد فيها الكثير من المحسنات البديعيّة, , كالتورية, وكثرة الانزياحات اللغويّة, والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة, كما ظهر لنا كل ذاك التعدد في نوعيّة الجمل التي كانت تنوس بين الخبر والانشاء, هذا إضافة إلى ورود الجمل ذات المعنى الحقيقي والمعنى المجازي, الأمر الذي يجعل المتلقي يشعر بأن مسألة التعامل مع البلاغة عند “وسيلة أمين” تأتي بشكل مدروس كحرفة تمتهنها بشكل متعمد, وهذا ما حول الصفة الأدبيّة في القصة من السهل الممتنع, ومن حالة جماليّة وفنيّة, إلى تصنيع متكلف أرهق دلالات المعنى إلى حد ما.. وهذا لا يعيب أسلوب القاصة على أية حال.

لقد جاءت اللغة في عمومها عند القاصة سليمة وفصيحة وسهلة وشفافة, استخدمت من قبل القاصة بقدرات تعبيريّة باهرة, وهذا يدل في الحقيقة على الثراء اللغوي والغنى الفكري من حيث قدرة التعبير وقوة التصوير في آن واحد عند (وسيلة), كما يدل ذلك على أن القاصة حازت على لغة فنيّة خاصة بها. وهذه القدرة لا تأتي إلا من خلال تجربة طويلة للقاصة, ووعيها أيضاً بقضايا المجتمع بأفراحها وأحزانها.

ملاك القول:

إن الكاتب أو الأديب الحقيقي هو الذي يلتزم بالواقع المحيط به, وينحاز لجذوره الاجتماعيّة والطبقيّة وتناقضاتها والعمل على تصويرها وطرح الحلول لها إن أمكن.

أو بتعبير آخر: إن الأديب الحق هو الذي يلتزم بواقعه بالقدر الذي يلتزم فيه بقيمه ومبادئه التي يبشر بها في كتاباته. (فالعناية بالطابع المحلي هي الطريق إلى العالميّة.) فلا سبيل لعالميّة الفن إلا إذا اهتم الأديب وعبر أولاً عن البيئة المحليّة التي عاش فيها. إن هموم الإنسان  ومعاناته اليوم قد تختلف في الشكل, إلا أنها  تتلاقى من حيث الجوهر. والتجارب الأدبية بشكل عام تهدف إلى تحرير الإنسان من غربته وقهره واستلابه وجوعه ومقاومة من يعمل على امتصاص قوته وجهده وسلبه حريته وعقله.

القاصة (وسيلة أمين) أحد رموز الأدب في اليمن الشقيق..  قاصة تعشق حرفتها بلا حدود, وهذا ما جعلها تعطيها الكثير من عقلها وقلبها وروحها ووقتها.. فراح هذا العطاء يثمر الجديد في كل مرة تقدم فيه عملاً قصصيّاً.. إن كان في لغتها أو صورها أو عمق الفكرة التي تبني عليها سردها. (وسيلة أمين) نخلة تسمو كل يوم في عالم مشبع بالتناقضات, لتقول لمن يتابعها.. لقد خلقت لأكون (عشتار)… وسأكون بكل ما أحمل من عقل وعاطفة وإحساًس وخصب روحي.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

[email protected]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة قصيرة:

(كيف للكلمات أن تعرج بالقلب لسموات الحنين!!!.).

وسيلة أمين سامي:

لوحة:

كل ما حوله يبدو كما اعتاد عليه وهو يسير في طريق عودته إلى منزله.

إنارة الشارع تنعكس على ملامحه التي لا تخلو  من وسامة وكثير من الوجوم..

هبات من نسمات الصيف تعبث بخصلات شعره الذي علا جانبيه بعض الشيب .. أربعيني محافظ على هندامه وأناقته. واصل سيره بخطى متئدة .. مطرقاً برأسه إذ رأى مظروفاً ملقى على الأرض كاد يدوسه.. يبدو أنه وقع من أحدهم للتو.. التقطه وأخذ يقلبه بين يديه.. نظر يمنة ويسرة عله يرى صاحب المظروف .. انتظر قليلاً ثم فتحه.. أخرج ما بداخله.. بضع من أوراق مرتبة بعناية فائقة.. أعادها إلى المظروف واكمل سيره بخطى أسرع لما انتابه من فضول بشأن تلك الأوراق.

مر بالمقهى الرابض ركن الزقاق المؤدي لمنزله. مقهى شعبي بمقاعد وطاولات خشبية متهالكة, لو قدر لها أن تنطق لأسمعتك الشيء العجاب من ذكريات سنين وأجيال طال عليها العهد.. يقف شاهداً على زمن مضى وارتحل بصروفه وتقلباته.

دخل منزله بأثاثه البسيط لكنه غاية في النظافة والترتيب.. إحدى غرفه مرسم صغير علا محتوياته الغبار لطول هجره.

ارتمى على الأريكة ورغم الاجهاد الذي اعتراه إلا انه كان في توق لقراءة ما حوته تلك الأوراق.. خواطر أدبية مكتوبة بخط أنيق .. مذيلة باسم: (ريم فؤاد). شرع في قراءة النص الأول:

– الألوان لا ترى نفسها .. لا تتهجى قوس قزح .. لا تتحسس دندنات الحب في احمرارها.. لا تتوه في رحاب زرقتها.. هي وجه الحياة .. مرآة تعكس الانفعالات الكامنة في النفس .. بصمتها تبوح لك بالكثير من الأسرار .. وهي لا تدرك ما تفعله بقلوبنا وكيف تفتتن بها أعيننا, تظل فوق السحاب سنابل نور وفي ارتعاشات الزهر أغنيات رواء ووشوشات أريج, وجودها يمحو كثيراً من قتامة الحياة.

فدع فرشاتك ترتقي لتصدح أصوات ألوانك .. تقطف باقة من نجوم.. تتقلد هالة القمر.. تتفيأ أهازيج الأحلام .. تشرب ضحوات النهارات .. تخاصر ألحان المساء.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

حدق بباب مرسمه الموصد. اجتاحه شوق طاغ, ورغبة جامحة لألوانه وفرشاته.

……………………………………………………….

– إذا داعبت خديها بفرشاتك ستشرق فيها روح أخرى.. ستسمع صوت عطرها ..ستحس بقرب أنفاسها..(تلك هي الزهرة) فازرعها على أديم أوراقك ستحيا بلا ذبول.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

نهض عن أريكته .. قادته خطاه إلى مرسمه.. نفض الغبار عنه وهو يشعر بشيء من الندم لطول هجره.. تسارعت الأفكار لمخيلته .. عزم للعودة إلى الرسم .. وبدأ يرتب لوحاته.

………………………………………………………….

لم يقو على ترك تلك النصوص :

– في الذكرة مرفأ لضوء شفيف يصعد من فتيل (الفانوس) العتيق هائم في مدارات الروح.. أيها الضوء كيف عكست ظلال الراحلين وطبعت صورهم بلا رحيل.. أشعلت بفتيلك ضجيج أماسيهم المثقلة بالنقاء. كم أتوق الارتحال مع ضوئك لزمن يعكس من وراء الوراء أطياف أحبابنا الراحلين حين كان للدفء قلب يتكلم وعينان تنبضان.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

أحس أحمد أن في القلب دوحة استطالت بها غصون الشوق وتدلى منها شجن دامع, ووجوه من رحلوا تلوح تترى في أضلعه.

عصف عاطفي اجتاح مشاعره .. ماذا فعلت بي يا (ريم) .. ومن أنت؟.. وكيف للكلمة أن تعرج با القلب لسموات الحنين!!!

ما زال منهمكاً في القراءة.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

هل تأملت وجوههم.. هل قرأت خارطة السنين مهرولة في ملامحهم .. تاركة خريفاً منحنٍ يلتقط بيع ذكريات لا تشيخ؟.

أدنُ منهم .. سامر وحدتهم.. ليكونوا لك أنسا فكن أنيساً لهم.. منصتاً لحكاياتهم باهظات الحكمة والضياء.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

في الأثناء تذكر أحمد جاره المسن الطيب وأنه في مثل هذا الوقت من كل ليلة من هذا الصيف يخرج أمام بيته باحثاً عن شيء من الهواء البارد.

العم صالح ثمانيني متصالح مع نفسه, يمتاز بروح مرحة..  تزين ملا محه لحية بيضاء مرتبة.. هادئ السمات.. معتمراً كوفية أنيقة.

ألقى عليه التحية فرد عليه ببشاشة ودعاه للجلوس معه..

شرب كثيراً من الحكمة ومن حكايا لا تخلو من الظرافة التي انسابت من حديثه.. وهو يحدق مدهوشاً في وجهه الذي شعر بأنه اختزل وجوه من رحل من العارفين.

لم يشبع أحمد من حديث العم صالح .. لكنه اضطر لتوديعه.

عاد للقراءة:

…………………………………………………

بقلبك أنظر لهذا النسيم الذي اهتزت له أفئدة الغصون.. وطربت له أنداء الزهور.. وانحنى له الاخضرار.. فالعين محال أن تراه؟

……………………………………………………..

مر الوقت سريعاً. . فتح النافذة .. كان الفجر قد لاح في الأفق.

……………………………………………………..

افتح نافذتك أنصت لهذا النور يمتطي أسرجة الصباح.. كأني به ينسكب في حارتنا العتيقة.. يَدعوُني إليها فتضمني أزقتها الأثيرة.. تسمعني صوت طفولتي الوردي.. تأخذ بقلبي المثقل شوقاً.. برائحة الود الصافي وطعم الفرح الندي تطوف بي في ضلوع ذاكرتها الدفينة المنحوتة في وجداني.

…………………………………….

آه أيتها الريم ..من تكونين؟؟.. كأنك معي تربتين لأشجان روحي.

نصوص أخرى عاش بين سطورها تركت أثراً كبيراً في نفسه.. وفي بضع شهور رسم لوحات رائعة إحداها وقف حائراً وهو يرسمها.. أحس أنها من أصعب اللوحات لكنها الأحب إلى قلبه.. سكب ألوانها من حنايا مخيلته.. صورة لفتاة.. تساءل ترى كيف تكون ملامحها ومن أي مروج اكتحلت عيناها؟؟.. اختار لعينيها لوناً أخضر ..

بعد أن اكتملت تلك اللوحة ظل يتأملها بعينين فاحصتين حتى شعر بالرضا وأسماها (ريم).

عزم أن يقيم معرضاً يضم لوحاته .. استغرق الأمر بضع شهور.. بدأ بنشر الإعلانات.. صاحبة المظروف ستحضر معرضه .. (ريم فؤاد) سوف تحضر.. هكذا حدثه قلبه.

أتم كل ما يخص تجهيز المعرض .. قرر أن تتوسطه لوحة (ريم).. وبجانبها لوحة تحمل وجه العم صالح.. وجاء اليوم الموعود.. بدأ الناس من محبي الرسم يتوافدون للمعرض.. كان أحمد شارداً.. متسمرة نظراته عند باب المعرض ينتظر شخصاً لم يره من قبل لكنه قرأه ورآه بقلبه.. وإحساسه يخبره بقوة أنه سيأتي.. الوقت يمر ببطء.. اقترب منه (صحفي) لإجراء لقاء معه. لكنه اعتذر بلطف وستأذنه بتأجيل ذلك.. فلم يكن يشغله آنذاك سوى رؤية صاحبة الخواطر التي تركت في نفسه كل ذاك الأثر.

اشتدت قبضته على المظروف, وما زالت عيناه متسمرتين على مدخل المعرض. وبعد حين دخلت فتاة .. قادتها خطاها لتلك اللوحة.. تسمرت وهي تنظر إليها.. خفق قلب أحمد بقوة.. اقترب منها وعقله يكاد يزيغ.. يا لهذا الشبه!!!. إنها هي بعينيها الخضراوين .. سألها برتباك:

– أنت ريم؟.

-أجابت: نعم وما أدراك .. هل تعرفني؟.

أشار للمظروف في يده: عرفتك من نصوصك ورسمتك من وحي خيالي.. وآن الأوان لتعرفيني أيضاً.

ابتسمت مبهورة وتاهت في تفاصيل اللوحة.

وسيلة أمين سامي.

 

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print