دراسة نقديّة لقصيدة ” الشوق معراج الهوى” للشاعر السوري “يونس السيد علي”

د. عدنان عويّد

الشاعر “يونس السيد علي”, من سوريا – محافظة ديرالزور – ولادة 1956- حائز على شهادة دار المعلمين – كان ميالاً للشعر منذ صغره – كتب قصيدته الأولى في عام 1977 لأسباب عاطفيّة كما يقول – نزح إلى دمشق مع بداية الأزمة السورية ا2011 – ولم يزل فيه-  فاز بالعديد من الجوائز على مستوى القطر – صدر له مجموعتان شعريتان :

الأولى: “ترانيم على قارعة الحرف”.

والثانية: “مطايا الوجد”.

اخترنا من ديوانه (مطايا الوجد) هذه القصيدة لدراستنا وهي بعنوان (الشوق معراج الهوى).

البنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة:

نحن أمام قصيدة في الحب, حاول الشاعر “يونس السيد علي” أن يوصف لنا فيها حالات الوجد التي نالت المحب الذي هامه الشوق لحبيبته, هذا الشوق الذي تحول إلى نار حارقة تسعر في قلبه وعقله وأحاسيسه, لقد شعر المحب بأن حرارة الشمس في عز ظهيرة الصيف قد أوقدت لهيبها من نار شوقه هو, فراحت تشتكي من حرارة شوقه لحبيبته, لقد كوته نار شوقه, فراح يستنجد بمن ألهب نار شوقه أن يدله على السبيل لإطفاء سعير هذه النار. يقول الشاعر “يونس” :

مِن  حرَّ  شوقي  القيظُ  أوقدَ  نارَهُ

وشكا  احتراراً حينَ  لامسَ ناري

يا مُلهِباً  ناري  بشوقِكَ  دُلَّــــــني

هلْ  تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

يعود الشاعر ليبين لمن يريد الدخول في عالم الحب بعد أن جرب هو عالمه وعاش حالات عطشه الروحي ووهج ناره ليقول:

مَنْ لم يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ  لعوالمِ الإبــــــــــــهار

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيــــرُهُ

ما لامسَ الأنـــــــــسامَ دونَ إوَارِ

ورغم قساوة نيران الحب على المحب, إلا أن الشاعر يحسد من يحب, أو من لامسه الحب, حيث يقول له طوبى لك يامن أرداك الهوى:

لا دمـــــــعةٌ لا بســـــــمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ  أنقى  دونَ  حُبًّ  ساري

ومن ذا الذي يستطيع  تأجيج الأشواق عند المحب غير فقد الحبيب, فراح ذاك المغرم يبحث عن حبيبه أو حبيبته في كل مكان لعله يظفر به, ورغم عذاب معانته وشقائه في البحث عن الحبيب إلا أنه يجد في هذه المعاناة كل الرضا والراحةالنفسيّة والروحيّة حيث عند لقائه به يقول:

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُـــــــغرمٌ

يطوي الفيافي شوقُهُ بظِفــــارِ

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ رَاحةٌ لِمُداري

يصف لنا الشاعر “يونس” قلوب المحبين كيف ترنوا إلى لقاء الحبيب وهي تتمختر شوقاً له, رغم كل ما أصابها من معاناة الفراق, ومع ذلك تظل قلوب المحبين تمنح عواطفها الجياشة للحبيب, ويظل شوقها له كشوق الأرض الجدباء القفر لقطرات المطر.. فيزهر الحب في القلوب من جديد كزهر الربيع.. وهل يزهر الربيع دون المطر. يقول الشاعر “يونس” :

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلها يبقى مَدى الأسفــارِ

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبة العطشى لِقا الأمطارِ

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

طولُ انتظارٍ هدَّها  لرَبيعــــها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ.

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

جاء عنوان القصيدة ” الشّوقُ  مِعراجُ  الهوى” مطابقا كل المطابقة للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة. فحمولة العنوان الدلاليّة مشبعة بالوجد والعاطفة الجياشة اتجاه الحبيب إلى درجة ” النسيب”, فالشوق في العنوان جاء معراجاً للحب والشوق عند الشاعر, وهذا ما أشرنا إليه عند دراستنا للبنية السرديّة للقصيدة.

العاطفة في القصيدة:

تظل العاطفة في سياقها العام, حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیها. وهي تقابل العقل في الحقيقة, إلا أنها لا توافقه, فما یراه العقل ويريده, غير ما تهواه العاطفة في أغلب الأحيان. فالعاطفة مرتبطة بالشعور والأحاسيس الإنسانيّة ولا تنفصل عنها مهما كان الإنسان عنيداً في كبت مشاعره”. لذلك فالعاطفة في الأدب شديدة الارتباط بالأديب. فالأديب أو الشاعر لا یصدر نصه في الغالب ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات دوافع العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة.. إلخ…

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعر “يونس السيد علي” تظهر لنا العاطفة عنده بكل صدقها, وصحتها, وقوتها.. إنها عاطفة جياشة, مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام فراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تتفتح عند الشاعر أسارير الروح وتزهر, فلقاء الحبيب عنده كالمطر الذي يحيي أرضا جدباء فيحل بها الربيع بكل تجلياته, وهنا نجد كيف راحت عاطفة الشاعر تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها تشبه الطبيعة في ربيعها وهجيرها.. إن لقاء الحبيب عند الشاعر كنَسِيمَ الصَّبَا, أو كماء يروى عطش القلب والروح التي اشتعلت فيها نيران الشوق.. فمع قدوم الحبيب تزدهر حياة الحبيب من جديد.

لقد امتزجت عاطفة الشاعر في حبه بسبب فقده للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. ومع عودته يشعر الشاعر أن حياته  قد عادت لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً, واضحةً, سمحةً, ناصعةً, وفصيحة, ومسبوكة الألفاظ, منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة, رغم أن الشاعر قد استخدم بعض الألفاظ القاموسيّة مثل (إوار- تجيس – سماري- ورفيلها – الجدبة.) . فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها, كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعر “يونس السيد علي” في قوله:

يا مُلهِباً  نـاري  بشوقِكَ   دُلَّني

هل تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟.

أو في قوله:

فالشوق معراجُ الهوى وعبيرُهُ

مـــا لامسَ الأنسـامَ دونَ إوَارِ.

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود الموسيقى الخارجيّة في القصيدة المتعلقة بوزنها وقافيتها في الشعر التقليدي, وهذه الموسيقا تتجلى في تفعيلات البحر ( الكامل) هنا والقافية المنتهية بحرفي (الراء والياء) ففي هذين الحرفين تلعب القافية دوراً محورياً في بناء القصيدة؛ فهي ليست مجرد زينة صوتيّة. بل عنصر حيويُّ يربط إيقاع النص بمعانيه، ويؤثر بشكل مباشر على نفسيّة المتلقي. إلا أن الايقاع الداخلي في القصيدة الذي يسمى بالموسيقا الداخليّة, راح  يتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من الصوت الداخلي للنص, الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر, التي تتطابق وتتناغم مع نسيج الحروف والكلمات داخل النص, لتشكل وحدة موسيقيّة متكاملة تنسجم معها. وهنا نسجل للشاعر تمكنه من إلغاء تلك الفروقات بين موسيقا الخارج وموسيقا الداخل, ليجعل من موسيقا قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف, وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها, والترابط ما بين المعنى والمبنى,  فكل ذلك جاء أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي  نجده في قصيدة الشاعر “يونس” بقوله:

مِن  حرَّ  شوقي  القيظُ  أوقدَ  نارَهُ

وشــكا  احتراراً  حينَ لامسَ ناري

أو في قوله :

والأرضُ قفرٌ دونَ مَنٍّ  هاطِــلٍ

ما جاسها شدوٌ وصوتُ كناري

طولُ انتظارٍ هدَّها  لرَبيعـــــها

وهل الربيعُ  سوى سُقا الأزهارِ.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام, التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أو عاطفي/وجداني ,حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة, ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية, وبها يكون المعنى متجليا أمام المتلقي, حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة.

ويعود الاهتمام بالصورة, بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير, مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة, ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه و الاستعارة و الكناية والتمثيل و حسن التعليل, وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة ” الشوق معراج الهوى ” للشاعر “يونس السيد علي” معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركهما فَقْدُ الحبيب عند المحب من جهة, وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بإمكانيّة لقائه من جهة أخرى. لقد استطاع الشاعر أن يرسم بعواطفه الجياشة وعمق أحاسيسه صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع, وذلك من خلال ربطه العميق فيها بين المعنى والمبنى معا, وهذا ما يحقق عند المتلقي الدهشة. وها هو يصور لنا حالة الشوق ولهيب الروح والعاطفة عند المحب الذي ينتظر لقاء حبيبته بقوله:

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري.

أو في قوله في وصف حالة ترقب الحبيب وكيف يتحول القلب إلى إنسان امتلكته اللهفة وهو يرنو للقاء الحبيب:

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِ.

لقد اندمجت في القصيدة الصورة الحسيّة البلاغيّة بالصورة التخيليّة, ومن هذا الاندماج, استطاع الشاعر ” يونس السيد علي” أن  يخلق من صور نصه علاقات روحيّة متكاملة في أسلوب إبداعي.

أما الخيال فلم يكن مجرد تصور أشياء غائبة عن الحس عنده، إنما الخيال وما يجسده من صور ابداعيّة جاءت معبرة عن عوالم حسيّة تحيط بالشاعر وتشغل عالمه الداخلي ورغباته وأمانيه, حيث عمل على تجريدها ليجعل منها أقنعة تفرضها معطيات الواقع وعاداته وتقاليده ومخاوفه كما في قوله:

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ.

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

[email protected]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يونس السيد علي. الشّوقُ مِعراجُ الهوى.

مِن حرَّ شوقي القيظُ أوقدَ  نارَهُ

وشكا احتراراً حينَ لامسَ ناري

يا مُلهِباً ناري بشوقِكَ دُلَّني

هلْ  تُطفَأُ النيرانُ من إسعاري؟

مَنْ لم. يُجرَّبْ صِدقَ عاطفةَ الهوى

لم يُصطفَ لعوالمِ الإبهار.ِ

فالشوقُ معراجُ الهوى وعبيرُهُ

ما لامسَ الأنسامَ دونَ إوَارِ

يا مِنْ تجيسُ الحُبَّ أرداكَ الهوى

طوبى لِمنْ اردى الهوى سُمّاري

لا دمعةٌ لا بسمةٌ لا زهرةٌ

لا عيشُ أنقى دونَ حُبًّ ساري

ما أجّجَ الأشواقَ إلّا مُغرمٌ

يطوي الفيافيَ شوقُهُ بظِفارِ

جازَ الشّقاء إلى الشّقاءِ  برغبةٍ

ومِنَ الشّقاءِ لرَاحةٌ لِمُداري

ترنو القُلوبُ إلى الُّلقا بِمحبّةٍ

ورفيلُها يبقى مَدى الأسفارِِ

تعطي جناها من وفير محبةٍ

كالجدبةِ العطشى لِقا الأمطارِ

والأرضُ قفرٌ  دونَ مَنٍّ هاطِلٍ

ما جاسَها شدوٌ وصوتُ كناري

طولُ انتظارٍ هدَّها لرَبيعها

وهل الربيعُ سوى سُقا الأزهارِ

يونس السيد علي. من مجموعته الشعريّة الثانيه “مطايا الوجد”.