دراسة نقديّة لقصيدة (ربيع الفجر) للشاعرة اليمنية الدكتورة “سمر محمد المحنبي”

د. عدنان عويّد:

السيرة الذاتيّة للشاعرة.

“د. سمر محمد المحني” ..أديبة وباحثة اجتماعيّة من اليمن .. تحمل شهادة دبلوم عالي من كلية التربية – جامعة الحديدة, اختصاص اجتماعيات.. وبكالوريوس شريعة وقانون من جامعة المستقبل – صنعاء.. ودبلوم في الجرافيك والتصميم (في المجال المهني).. ودكتوراه فخرية في مجال التنمية البشريّة.. ومدربة دوليّة بدرجة الامتياز.. تعمل حاليّاً رئيسة أكاديميّة الأدب والرواية والقصة والقصيدة.. وهي تحمل العديد من الشهادات المتعلقة بمجالات تنمية الإنسان وتطوير مهارته.. تكتب القصة القصيرة والشعر. ومن بين كتاباتها الأدبيّة اخترنا هذه القصيدة النثريّة (ربيع الفجر) موضوعا لدراستنا.

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة |ربيع الفجر”:

إذا كان الربيع عند عشاق الطبيعة يتمثل في نسيمه وزهوره وخضرة وجمال الأرض التي يحل فيها, فإن الربيع عند الشاعرة الدكتورة “سمر محمد المحنبي” هو ربيع آخر … هو ربيع يتجسد في حضور شخص افتقدته في حياتها, ومع حضوره استطاع أن يحيي كل يباس الروح عندها, فأعاد لحياتها بهجت حضورها, مثلما استطاع أن يعيد نسج عواطفها من جديد ليجعل منها روحاً تهيم في عالم من الفرح والسعادة افتقدتهما منذ زمن بعيد.

ها هي الشاعرة “سمر” تشبه حبيبها الذي جاء أخيراً بـ (الفجر) بعد ظلام للروح طالت مدته.. ومع قدومه ابتسمت الروح وتحولت كل المعاناة إلى فرح, وكأنه الماء الذي تسرب إلى أرض روحها اليابسة فأحيا كل شيء فيها,  : تقول الشاعرة عن هذه العودة:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي … فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ.. وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ).

وها هي تناجي الحبيب (الفجر) الذي أطل عليها بعد غياب طويل: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا… فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ…كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى… مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ… طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي… فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ)… فها هي تشبه حبيها الذي التقته أخيرا بنسيم الصبا الذي تتمنى منه بعد غياب طويل, أن يروي قلبها المشبع بالحزن ويزيل ما تعانيه من الوحدة والفراق وألم غربة الروح,.. فمع قدومه شعرت وكأن قلبها حديقة قد تفتحت فيها كل الأزهار الجميلة.. أو كأنه القمر الذي أضاء لها عتمة القلب والروح معا.. أو كطائر راح يغني حتى انساحت ألحانه الجميلة في ربا روحها فانتشت طرباً بعد أن فقدت الإحساس بكل ما هو جميل.

قاسية هي آلام الفقد وغربة الروح.. أنها كأرض مسها اليباس فتشققت تربتها وأصبحت في غاية الشوق لمن يرويها ويبعث الحياة فيها الحياة والجمال والخصب.. هنا نجد الشاعرة “سمر ” تبوح عن مشاعر إنسان وجد أخيرا من أعاد له البسمة وبهجة الحياة وكأنه حلم, عاد ليشعل قناديل الفرح في قبلها فحطم كل يأس وغم فيه, الأمر الذي جعلها تشعر بجمال حضوره الذي وجدت فيه كل حسن الكون. فراحت تناجي منقذها وكأنها في حلم قائلة: (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا..  لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ.. فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي.. وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:

لم تخرج البنية السرديّة في القصيدة بكل مضمونها ودلالاتها عن العنوان (ربيع الفجر).. لقد كانت مطابقة في شكلها ومضمونها له.. فإذا كان ربيع الطبيعة يأتي بشكل دوري كي يعيد للحياة بهجتها, فإن حبيب الشاعرة الذي وصفته بالربيع قد جاء كالفجر الذي أضاء لعالم الروح بهجته وفرحه بعد فَقْدٍ طالت مدته, فازدهرت فيه الروح من جديد, فكان في عودته كالنسيم.. والماء.. والأزهار.. وتغريد الطيور.. وفرح الحياة.

البنية الفكريّة للقصيدة:

يشكل الفقد في حياة الإنسان عاملاً من العوامل السلبيّة التي تحفر في نفسيّة الإنسان وذاكرته, ليؤسس عنده شعورا عميقا بغربة الروح عن من كان يجد فيه سلوته واستقراره وأمنه النفسي.. وقصيدة (ربيع الفجر) للشاعرة “سمر المحنبي” تذكرنا بأغنية على درجة عالية من التعبير والاحساس عن حالة الفقد لمن نحب, للمطربة (أنغام) بعنوان (جنطة سفر):

(لسه ناوي على الرحيل.. تفتكر مالوش بديل.. أعمل أيه في الوحدة وانت مش هنا.. أعمل ايه.. ومنين أجيب صبر السنى أعمل إيه.. من سؤال مهزوم يترجى الجواب.. مش بتقصد عيني يا حبيبي العتاب.. سيبك انت من دموع العين وقلي .. خذت ايه جنطة سفر.. أو إيه فاضلي.. خذت من صبري وطريقي منتهاه.. مش معاك نبضي الي فات …. شوف كده لتكون نسيت عمري وصباه.. ولا إحساسي بكياني في الحياة .. أما حيرتي وعذابي ملكي أنا.. همّا أصحابك طول سنة… ياحبيبي ياحبيبي. قَدِّ عمري قلتها لك وانت جنبي  مشتقالك…  منت عارف.. منت سامع.. أنت الليل والشوارع… كل حبة رمل بتقلك حرام .. حرام.. اتحرم حضن الخطاوي وفين أنا..الخ.

هكذا تكون تجليات الفقد عند الإنسان.. وهكذا تكون متاهة العقل والروح والعواطف في غياب من نحب.

الصورة في القصيدة:

تشكل الصورة في سياقها العام, التركيب اللغوي الذي يمكّن الشاعر من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أوعاطفي/وجداني ,حيث تُعَرّفُ الصورة الشعريّة بأنها انعكاس للواقع من جهة, ومتخيل أو مجاز من جهة ثانية, ليكون المعنى متجليا أمام المتلقي, حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير, مثلما تعد الصورة أيضاً مقياساً فنيّا وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة, ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه و الاستعارة و الكناية والتمثيل و حسن التعليل, وبالتالي فالصورة هي أساس بناء الشعر. وعلى أساس هذا المعطى تأتي الصورة في قصيدة “ربيع الفجر” للشاعرة “سمر محمد محنبي” معبرة عن الحالة النفسيّة والعاطفيّة القلقتين المعذبتين اللتين تركها فقد الحبي عندها من جهة, وعن حالة الفرح ونشوة الروح وتفجر عواطف الرضا بعودة من سيحقق لها الأمن الروحي والسعادة من جهة ثانية. لقد استطاعت الشاعرة أن ترسم بعواطفها الجياشة وعمق أحاسيسها  صورا حسيّة وتخيليّة على درجة عالية من الجمال والإبداع في ربطها بين المعنى والمبنى معا, فحققت عند المتلقي الدهشة,. وها هي تقول بعد وجدت الحبيب الذي سيمنحها دفء الوجود:

(وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها وهي تناجي حبيبها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ)..أو في قولها (يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا  لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ).. أو في قولها: (كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ.).

العاطفة في القصيدة:

جاء في المعجم المفصل في الأدب لجبور عبد النور:

العاطفة: “حالة شعوریّة تندفع من النفس البشریّة إثر انفعالها بحدث تراه أو تسمعه، أو بمشهد یؤثر فیه. وهي تقابل العقل ولا توافقه؛ فما یراه العقل غير ما تهواه العاطفة. والعاطفة مرتبطة بالشعور الإنساني ولا تنفصل عنه، مهما كان الإنسان عنيداً في إظهار مشاعره”. والعاطفة في الأدب شدیدة الارتباط بالأدب؛ فالأديب  أو الشاعر لا یصدر نصه ألا بدافع عاطفته، وبالتالي هو لا يكتب من عدم. ومجالات العاطفة في الأدب واسعة ومتنوعة، فهناك عاطفة وجدانیّة، وعاطفة قومیّة، وعاطفة وطنیّة، وعاطفة إنسانیّة إلخ…

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الشاعرة “سمر” تظهر لنا العاطفة عندها بكل صدقها, وصحتها, وقوتها.. عاطفة جياشة مشبعة بالشوق والحنين والرغبة في الخلاص من آلام الفراق وفقد الحبيب.. فمع لقاء الحبيب أو عودته تفتحت عند الشاعرة أسارير الروح وأزهرت, وراحت تتناسج مع الطبيعة لتجد نفسها مع (ربيع فجر) تغيرت بقدومه كل ملامح حياتها .. لقد كان قدومه كنَسِيمَ الصَّبَا, أو كماء روى عطش قلبها وروحها, ومسح الحزن عنهما, ومع قدومه أزهرت حياتها من جديد, وكان كالقمر أضاء حياتها بعد حلكة ظلام غطت كل جميل عندها. لقد  امتزجت عاطفة الشاعرة في حبها بسبب فقدها للحبيب بالألم والمعاناة النفسيّة الشديدة. فالعاطفة هنا ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حالة وجوديّة شاملة قادت حياة الشاعرة نحو الانكسار والتعلق الروحي. مع عودة الحبيب عادة حياتها لتزهر من جديد وترتدي ثوب الفرح والسعادة والبهجة.

اللغة في القصيدة:

لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً, واضحةً, سمحةً, ناصعةً, وفصيحة, ومسبوكة الألفاظ, منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها, كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة “سمر محمد المحنبي” في قولها: (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ.. كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى… مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ ). أو في قولها: (فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي..وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ.. كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ.. كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ).

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها في الشعر التقليدي, وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة, وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة, التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسية والشعورية وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة, ومع تأكيدنا بأن قصيدة (ربيع الفجر” للشاعرة “سمر المحنبي” على (البحر الخفيف) إلا أن هناك بعض الانكسارات في الوزن, الأمر الذي يجعلنا ندخل موسيقاها في عالم شعر النثر, وهنا نسجل للشاعرة تمكنها من إلغاء تلك الفروقات الطفيفة لتجعل من موسيقى قصيدتها رتماً واحداً متجانساً في مكوناته. وجاء ذلك من خلال تناغم الحروف, وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها, والترابط ما بين المعنى والمبنى,  وكل ذلك يأتي أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. وهذا الرتم الموسيقي  تجلى في قصيدة الشاعرة ” سمر محمد المحنبي” ( ربيع الفجر). حيث تقول الشاعرة واصفة بهجة قدوم الحبيب:

(أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي.. فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ..وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا.. إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ) أو في قولها : (يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا.. فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ..كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى.. مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ..طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي.. فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ.).

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

[email protected]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

🌼 ربيعُ الفجرِ 🌼 .. د. سمر محمد المحنبي

أَقْبَلَ الْفَجْرُ بِالرَّبِيعِ الْبَهِي

فَابْتَسَمْتُ لِمَنْظَرٍ يُحْيِيهِ

وَتَحَوَّلَ الثَّلْجُ الَّذِي كَانَ جَفْوًا

إِلَى مَاءٍ يُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ يَلِيهِ

يَا نَسِيمَ الصَّبَا أَتَيْتَ رَفِيقًا

فَارْوِ قَلْبِي وَامْسَحِ الْحُزْنَ بِدِيهِ

كُلُّ زَهْرٍ فِي الْحُقُولِ تَبَدَّى

مِثْلَ قَمَرٍ فِي السَّمَاءِ يُضِيهِ

طَائِرٌ فَوْقَ الْغُصُونِ يُغَنِّي

فَامْتَلَأَتِ الرُّبَا بِلَحْنٍ يُشْفِيهِ

يَا هَنَاهُ الرَّبِيعُ كُنْتَ حُلْمًا

لِفُؤَادٍ كَانَ يَشْكُو جَفَاهُ عَلَيْهِ

فِي الرَّبِيعِ الْجَمِيلِ عَاشَ فُؤَادِي

وَتَحَطَّمَ كُلُّ يَأْسٍ فِي ضِيَاهِهِ

كَيْفَ لَا أَعْبُدُ الْجَمَالَ وَفِيهِ

كُلُّ حُسْنٍ يَفُوقُ الْحُسْنَ فَوْقَ يُدِيهِ

م. د. سمر محمد عيسى المحنبي 🇾🇪

2026/4/26