“رؤى عثمان سعيد قاسم” أو المشهورة باسم” رؤى المخلافي”, من اليمن, مواليد “تعز” منطقة “مخلاف” “1996” تحمل إجازة في اللغة العربيّة, عام 2024. تقول عن نفسها: (إنها امرأة تبحث عن السلام والأمان, ولا تجد ذلك إلا في أحلامها وخيالها, تكره الكذب والنفاق وحاقدة على الخذلان وأهله.).
“رؤى المخلافي” كاتبة وأديبة تتر جم الأحاسيس إلى حروف نابضة بالحياة, وتصيغ من الكلمات لوحات تتراقص فيها المشاعر والأحاسيس المرهفة بين ثنايا النص.
لرؤى مخطوطان (أوراق مبعثرة و أصداء الحنين) قيد الطباعة.
اخترنا لها في دراستنا هذه نصاً مفعماً بالحزن والقهر وغربة ويباس الروح, وهو في الحقيقة نص أقرب في بنيته السرديّة إلى المذهب السريالي.
البنية السرديّة أو الحكائية للنص :
نحن في الحقيقة أمام نص سريالي في مضمونه, نص فقد بطل حكايته الثقة ليس في الواقع المرير بكل حمولته التي ولدت لديه الألم والعذاب وغربة الروح فحسب, بل فقد الأمل بالحب والصدق والوفاء في هذه الحياة ذاتها فراح يتساءل: (هل يمكن أن يكون الحب ذئباً, والوفاء ورطة, والصدق سقطة تستدعي الكفارة والندم أشدّ الندم؟!!.).
ربما يفقد الإنسان صلة التواصل في الواقع الذي يعيش, ولكن تظل الذاكرة محطة إلهام تعيد ربط الإنسان في واقعه, بل لنقل محطة لتواصل يفقد نسقه الموضوع وتسلسله المنطقي للأحداث, وهذا ما تجلى في ذاكرة بطل النص الذي تحولت ذاكرته لما مرّ به من أحداث, إلى متاهة عمتها فوضى التذكر المشحون بالقهر وضياع البوصلة في هذا الواقع: ( في الطريق كنت أستعيد ذكرياتنا مع كل خطوة. وكنت أتذكر مواطئ أفراحي وأحزاني, وأرى مشاعري مرسومة على كل منعطف. لم يكن هناك صوت سوى صوت أنفاسي وصوت وقع أقدامي على الأرص. كنت أهرول في جنون على طرقات التيه, كان السكون فظيعاً والريح تصفر.).
أمام هذا الضياع وتشرد الذكريات وفوضى المشاعر والجنون وطرقات التيه, يأتي الحب في سياق الذاكرة المتعبة كتساؤل عند بطل النص: (من أعماق الظلام جاءني صوت الحب الذي قتلته منذ سنوات في قلبي.. الحزن غرس مخالبه في روحي, وفي أتون الخذلان لا تعود هناك نجاة من اليأس إلا الموت.. هل يمكن أن يكون الحب ذئباً,؟؟!!)… يبدو أنه حلماً ظل يسعى إليه لمدّة تسعون عاماً, وكان يشعر في قلبه بأن هذا الحب شكل بالنسبة له وطناً وأرضاً وعنواناً ومنارة تضيئ دروب الحياة. بيد أن هذا الحب الذي سكن بطل النص لمدّة تسعين عاماً, لم يكن أكثر من أوهام تبخر.. تبخر تماماً, كمادة الأحلام.
البنية الفكرية للنص:
يحمل النص في بنيته السرديّة بعداً سرياليّا تجلى في كل تعابير هذه السرديّة, فبطل النص فقد توازنه في هذا الواقع الذي فقد معقوليته أيضاً, وتحول إلى متاهة جعلته يعيش مستغرقاً في أعماق نفسه, مشتت الأفكار والخواطر, فلا يدري أين يذهب!, تهافت قلبه لصور وأحاسيس غير مترابطة تترك خلفها شعوراً ملحاً بالوحدة والفراغ… فكان كفرخ الطير الذي يريد العودة إلى حضن أمّه…
على العموم, يهدف المذهب السريالي إلى التحرر من قيود المنطق والواقع لصالح العقل الباطن والأحلام. ويعتمد على التلقائيّة، والرموز الغريبة، والجمع بين المتناقضات للتعبير عن اللاشعور:( كنت أهرول في جنون على طرقات التيه, كان السكون فظيعاً والريح تصفر.).. فالتعبير عن اللاشعور في السرياليّة يشكل وسيلة لإطلاق المكبوت في النفس البشريّة، والحفر في الأحلام واللاوعي. وهنا يعبّر السرد عن أحداث النص بشكل آلي وعفوي بعيداً عن رقابة العقل الواعي أو الانشغالات الجماليّة والأخلاقيّة التقليديّة, فتأتي الصور غريبة ومفارقة, تعمل على دمج الواقع في اللاواقع, والمنطق في اللامنطق, لإنتاج تأثيرات صادمة… أما الرمز فيأتي مستوحاه من الأحلام لتمثيل الواقع بشكل متجاوز.
البنية السيمائية للعنوان:
(تسعون عاما).. وهو العمر الافتراضي في حده الأقصى لعيش الإنسان في حالة كماله الطبيعيّ قبل الموت.. وهذا الرمز في النص (تسعون عاماً) يحمل في الحقيقة دلالات مفتوحة لم تقطع لنا فيه القاصة الدلالة : أي لم تبين لنا القاصة “رؤى المخلافي” ما المقصود منه, هل هي ترمز إلى شخص فرد قائم بذاته سحقته الحياة وسيجت حياته بالألم والحزن والضياع ويباس الروح والبحث عن الحب للخلاص,؟. أم هو رمز لمرحلة تاريخيّة مليئة بالعذاب, تركت آثارها السلبية على حياة أسرة أو مجتمع ما.؟. تظل الدلالة مفتوحة هنا, مع تأكيد العنوان بأن هناك عالماً (لا معقول) في معطياته راح يفرض على الناس الشقاء والبؤس والبحث عن بريق أملٍ في حب يحقق الخلاص.
البنية الفنيّة للنص :
الصورة في النص:
تظل الصورة في سياقها العام, هي تركيب لغوي يمكّن الأديب من تصوير معنى واقعي/طبيعي أو عقلي/فكري أوعاطفي/ وجداني. وتعرف الصورة بأنها انعكاس للواقع من جهة, وللمتخيل من جهة ثانية, ليكون المعنى متجلياً أمام المتلقي حتى يتمثله بوضوح ويتمتع بجماليّة الصورة التي تعتمد التجسيد والتشخيص والتجريد والمشابهة. ويعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الأديب التي تحكم شخصيته الفنيّة في أداء التعبير كما تعدّ الصورة مقياساً فنيّاً وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغويّة والموسيقيّة, ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه و الاستعارة و الكناية والتمثيل و حسن التعليل.
في نص “تسعون عاماً” تقدم لنا القاصة “رؤى مخلافي” كماً هائلاً من الصور المجازيّة والتخيليّة المشبعة بأحاسيس القهر والظلم وغربة الروح, حيث نجد أنفسنا أمام مصور مبدع مزج بعمق ما بين الإحساس العميق بدلالات المفردة ومبناها, فشكل منها صوراً تلامس الروح والواقع معاً. ومن تلك الصور المدهشة في دلالاتها التي قدمتها “رؤى” في نصها: (وكنت اتذكر مواطئ أفراحي وأحزاني, وأرى مشاعري مرسومة على كل منعطف…. كان السكون فظيعاً والريح تصفر…. من أعماق الظلام جاءني صوت الحب الذي قتلته منذ سنوات في قلبي.. الحزن غرس مخالبه في روحي… هل يمكن أن يكون الحب ذئباً, والوفاء ورطة, والصدق سقطة تستدعي الكفارة والندم أشدّ الندم؟!!.).
الرمز في النص:
الرمز أسلوب فني يستخدمه الأديب بحسب تجربته الشّعوريّة أو نظرته الفنيّة، ويساهم في تشكيل المعنى الذي يودّ الأديب إيصاله إلى المتلقي. والرمز قد يكون كلمةً أو عبارةً أو شخصيّةً، أو اسم مكان، وهو يتضمن دلالتين، إحداهما مباشرةٌ وظاهرةٌ ويمثل هذه الدلالة مثلاً (العلم – شخصيّة تاريخيّة أو معاصرة لها حضورها في حياة الأمّة أو الشعب.. الخ)، والأخرى باطنةٌ مرتبطةٌ بالمعنى المُراد تبليغه، مثل استخدام الحمامة رمزًا للسلام، والدماء رمزًا للحرب والقتل، والمطر رمزًا للخير، والميزان رمزًا للعدالة. والرمز هو من المصطلحات التي حظيت باهتمام كبير لتشعب المجالات التي يعمل داخلها.
على العموم نستطيع القول: إن الرمز هو اقتصاد لغوي يكثف مجموعة من الدلالات والعلاقات في بيئة ديناميّة تسمح لها بالتعدد والتناقض … وهو لذلك علاج لنقض المنطق ،وضيق البنى التي ترفض التناقض والاختلاف، كما أنه علاج لجمود المعطيات والمفاهيم الثابتة. فمن خلال الرمز يمكن للأدب تجاوز الثبات للتعبير عن أوجه التناقض، أو الكشف عن الثنائيات المتقابلة التي تشمل الوجود الانساني.
وبناءً على كل ذلك لقد استطاعت القاصة” رؤى مخلافي” أن توظف الرمز توظيفاً إبداعيّاً وخاصة في شقه المجازي المرتبط بالمعنى أكثر من ارتباطه بالواقع المباشر, وهذه القدرة تعود إلى طبيعة النص ذاته الذي هو أقرب إلى النص السريالي, فاعتماد القاصة على البعد النفسي واللاشعوري في التعبير عن البنية السرديّة أو الحكائيّة للنص, جعلها تستخدم اللغة بطريقة هي أقرب إلى صياغة استخدام رموز تخيليّة: تقول: (كنت أهرول في جنون على طرقات التيه, كان السكون فظيعاً والريح تصفر.). ففي مفردة (التيه) دلالة على حالة الضياع واللامعقول .. وفي (السكون) دلالة على استقرار القهر والظلم والألم الذي يعيشه بكل النص.. وفي الريح تصفر دلالة إلى عوامل وأسباب تشير إلى أن هذا التيه لم يزل في وجوده وكأنه ريح عاصفة تقتلع كل ما هو جميل أمامها.. وترمز القاصة في: (من أعماق الظلام جاءني صوت الحب). فاستخدامها لـ (الظلام), هو تأكيد على غياب الأمل في الخلاص الذي رمزت له بـ (الحب)… (كنت كفرخ الطير الذي يريد العودة إلى حضن أمّه).. فاستخدما لـ (فرخ الطير) دلالة على الشوق والحنين لحضن دافئ وقلب رؤوم تشتاق الحصول إليه في عالم اللامعقول الذي تعيشه. ويظل عنوان النص (تسعون عاما) يحمل رمز الزمن المشبع بالقهر والظلم وغربة الروح.
اللغة في النص:
رغم أن النص في بنيته السرديّة هو نص سريالي, مغرق في الرمز والصور والتعابير التخيليّة, وهو نص يقوم في سرده على التذكر وتداعي الأحاسيس والمشاعر لحالة القهر والاستلاب والضياع في تيه الواقع والمعنى معا من عمق اللاشعور واللامعقول, إلا أن اللغة جاءت في القصيدة سهلةً, واضحةً, سمحةً, ناصعةً, وفصيحة, ومسبوكة الألفاظ, منسجمة مع بعضها في بنية النص وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها, كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الأدبي, وإيصال الفكرة إلى المتلقي دون عناء.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسعون عاماً:
في الطريق كنت أستعيد ذكرياتنا مع كل خطوة. وكنت اتذكر مواطئ أفراحي وأحزاني, وأرى مشاعري مرسومة على كل منعطف. لم يكن هناك صوت سوى صوت أنفاسي وصوت وقع أقدامي على الأرص. كنت أهرول في جنون على طرقات التيه, كان السكون فظيعاً والريح تصفر.
من أعماق الظلام جاءني صوت الحب الذي قتلته منذ سنوات في قلبي.. الحزن غرس مخالبه في روحي, وفي أتون الخذلان لا تعود هناك نجاة من اليأس إلا الموت..
هل يمكن أن يكون الحب ذئباً, والوفاء ورطة, والصدق سقطة تستدعي الكفارة والندم أشدّ الندم؟!!. كنت مستغرقاً في أعماق نفسي, مشتت الأفكار والخواطر, فلا أدري أين أذهب!, تهافت قلبي لصور وأحاسيس غير مترابطة تترك خلفها شعوراً ملحاً بالوحدة والفراغ.
كنت كفرخ الطير الذي يريد العودة إلى حضن أمّه…
قلبي كان لك وطناً وأرضاً وعنواناً ومنارة تضيئ دروب الحياة. آه من هذا الحب الذي سكنته أوهامي تسعون عاماً..
تبخر.. تبخر تماماً, كمادة الأحلام.
رؤى المخلافي.






