يأتي العيد كغريبٍ هذه المرة،
يمشي على أطراف الحزن،
ويطرق الأبواب التي أنهكها الانتظار…
فلا يُفتح له إلا بالبكاء…
في غزة، لا يشبه العيد اسمه…
هنا، تُقاس الأيام بوجعها لا بمواقيتها، ويغدو الفرح رفاهًا بعيدًا. الجوع ليس حكاية تُروى، بل واقع يملأ البيوت، والمرض يقف على الأبواب في ظل غياب الدواء وانهيار أبسط مقومات الحياة. الأطفال الذين كان ينبغي أن يركضوا بملابس جديدة، يقفون اليوم في طوابير الانتظار—لقليل من الخبز، أو لجرعة نجاة…
العيد هنا ليس صباحًا مشرقًا، بل ليلٌ ممتد لا يجد فجره…
وفي القدس، يقف العيد خلف الحواجز…
عند أبواب المسجد الأقصى، حيث أُغلقت الطرق منذ العاشر من رمضان، يتحول الدعاء إلى همسٍ موجوع، وتتحول الخطوات إلى انتظارٍ ثقيل. لم يعد الوصول إلى المسجد حقًا بديهيًا، بل اختبارًا يوميًا للصبر… هناك، يُختصر العيد في نظرةٍ حائرة، وفي قلبٍ معلّق بين السماء وأبوابٍ لا تُفتح…
أما الضفة الغربية، فالعيد فيها مقطّع كما طرقها…
حواجز تفصل العائلات، ومدن تُختزل إلى مسافاتٍ مغلقة. اللقاء الذي كان طقسًا بسيطًا، أصبح أمنية… العائلة التي كانت تجتمع حول مائدة واحدة، باتت موزعة بين جدارٍ وسجنٍ ومنفى…
العيد هنا يذكّر الناس بما فقدوه أكثر مما يمنحهم ما يفرحهم…
ما يجمع هذه الأمكنة ليس فقط الألم، بل الإصرار على البقاء…
فالفقد مستمر، والتهجير يتكرر، والحصار يخنق التفاصيل…
ومع ذلك، لا ينكسر الإنسان تمامًا…
ثمة خيط خفي من الصبر يشدّ هذه الأرض إلى الحياة، وثمة ذاكرة ترفض أن تعتاد الحزن…
العيد، في جوهره، وعدٌ بالفرح…
لكنه هنا يتحول إلى سؤال:
كم يحتاج الفرح من وقتٍ ليعود…؟
وكم من الألم يجب أن يُحتمل قبل أن تُفتح الطرق، وتُرفع الحواجز، ويعود الناس إلى حياتهم بلا خوف…؟
ورغم كل شيء…
في عيون الأطفال بقايا ضوء،
وفي قلوب الأمهات دعاء لا ينقطع،
وفي هذه الأرض ما يكفي من الصبر كي تؤمن أن العيد، وإن تأخر، سيأتي…
سيأتي…
يومًا بلا دموع…
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
20/3/2026 م







