أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية
باحث في قضايا التحرر الوطني
مقدمة
ليست العلاقة بين الجزائر وفلسطين علاقة تضامن سياسي عابر، بل هي علاقة أنطولوجية–تحررية تشكّلت في رحم التجربة الثورية الجزائرية، وانتقلت إلى الوعي الفلسطيني بوصفها نموذجاً، ومنهجاً، وأخلاقاً ثورية. فمنذ انتصار الثورة الجزائرية عام 1962، تحوّلت الجزائر من دولة حديثة الاستقلال إلى مرجعية ثورية عالمية، وكان الفلسطينيون – وفي مقدمتهم روّاد حركة فتح – أول من التقط جوهر هذه التجربة واستبطن معناها العميق.وذلك من خلال :
أولاً: الجزائر بعد 1962 – من الثورة إلى تصدير الوعي التحرري
مع انتصار ثورة التحرير الجزائرية، لم تعتبر جبهة التحرير الوطني أن الثورة قد انتهت، بل أعادت تعريفها باعتبارها مشروعاً إنسانياً عابراً للحدود.
وقد تأسّس الموقف الجزائري من فلسطين على ثلاث ركائز:
فلسطين امتداد للثورة الجزائرية
تحرير فلسطين واجب أخلاقي وثوري
الثورة لا تتجزأ.ولا يكتمل تحرير الجزائر الا بتحرير فلسطين
من هنا، لم يكن الدعم الجزائري لحركة فتح دعماً سياسياً فقط، بل انخراطاً وجودياً في مشروع التحرر الفلسطيني.
ثانياً: هواري بومدين ودوره في التأسيس العملي لانطلاقة فتح
قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، كان العقيد هواري بومدين رئيساً لأركان الجيش الجزائري، وقد أدرك مبكراً أن الشعب الفلسطيني يعيش لحظة ما قبل الثورة، تماماً كما عاشها الجزائريون قبل 1954.
1. الدعم العسكري
إصدار أوامر مباشرة لضباط الجيش الجزائري في سوريا، لبنان، ليبيا، تونس بفتح مستودعات السلاح وتسليمها لروّاد فتح.
تزويد فتح بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة دون شروط سياسية.
نقل خبرات حرب العصابات، والكمائن، والعمل الفدائي السري.
2. الدعم المالي
تقديم دعم مالي مباشر مكّن فتح من:
بناء نواتها التنظيمية الأولى
تمويل التدريب والتسليح
تأمين شبكات الحركة السرية
تأسيس مؤسسة شهداء فلسطين.
3. الدعم السياسي والمعنوي
منح الشرعية الثورية لفتح قبل اعتراف الأنظمة العربية بها.
التعامل مع ياسر عرفات وقيادة فتح بوصفهم ممثلين شرعيين للشعب الفلسطيني. والاعتراف ب م ت ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني 1973 بمؤتمر الرباط.
وكلنا يتذكر لحظة رفع الرئيس بو مدين يده عاليا داخل مؤتمر قمة الرباط في لحظة التصويت ع مشروع قرار المنظمة كممثل شرعي ووحيد..للشعب الفلسطيني ونظر للاخرين الذين رفعوا ايديهم خوفا ورهبة منه…
ثالثاً: النصيحة الجزائرية قبل الرصاصة الأولى
قدّمت قيادة جبهة التحرير الوطني نصائح مركزية لقيادة فتح، يمكن تلخيصها في المبادئ التالية:
ابدأوا الثورة وأنتم وحدكم، وسيلتحق بكم الجميع لاحقاً
لا تنتظروا الإجماع العربي
ابنوا تنظيمكم قبل أن تطلقوا الرصاصة
احذروا التبعية، فالثورة قرار ذاتي
اجعلوا الشعب حاضنة الثورة لا متفرجاً عليها
وقد التزم ياسر عرفات بهذه النصائح التزاماً عميقاً، فكانت الرصاصة الأولى عام 1965 قراراً فلسطينياً مستقلاً.
رابعاً: هل طبّقت فتح التجربة الجزائرية حرفياً؟
لم تنسخ حركة فتح التجربة الجزائرية حرفياً، بل استوعبت روحها.
فالجزائر قدّمت النموذج، لكن فتح:
أعادت تكييف الكفاح المسلح مع خصوصية الجغرافيا الفلسطينية
طوّرت مفهوم “العمل الفدائي العابر للحدود”
جمعت بين البندقية والسياسة في آن واحد
وهنا تتجلى عبقرية ياسر عرفات الذي فهم أن الثورة ليست قالباً جاهزاً، بل فعلٌ حيّ متحوّل.
خامساً: الأثر الفلسفي للتجربة الجزائرية في وعي ياسر عرفات
على المستوى الفلسفي، تأثّر ياسر عرفات بثلاث أفكار جزائرية مركزية:
التحرر فعل وجودي (Frantz Fanon)
العنف الثوري كضرورة تاريخية
الهوية تُستعاد بالفعل لا بالخطاب
لذلك، أعاد عرفات تعريف الفلسطيني من:
لاجئ ينتظر الحل إلى فاعل تاريخي يصنع مصيره
سادساً: الجزائر المعاصرة – من بومدين إلى تبون
يُجسّد الرئيس عبد المجيد تبون الامتداد الطبيعي للموقف الجزائري التاريخي من فلسطين.
1. دعم حركة فتح
اعتراف ثابت بدورها القيادي في المشروع الوطني الفلسطيني
دعم سياسي غير مشروط
2. رعاية المصالحة الفلسطينية
استضافة الحوارات الفلسطينية – الفلسطينية
العمل على إنهاء الانقسام بين فتح وحماس
تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية
3. الموقف من فلسطين كمبدأ
الجزائر لا تنظر إلى فلسطين كملف دبلوماسي، بل كـ:
قضية أخلاقية
التزام تاريخي
عقيدة سياسية
سابعاً: الجزائر… وحدة القمة والقاعدة في الموقف من فلسطين
تتميّز الجزائر عن غيرها من الدول العربية بكونها الدولة الوحيدة التي لا يوجد فيها تناقض بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي تجاه فلسطين.
ففلسطين في الجزائر:
في وجدان الشعب
في خطاب الدولة
في مناهج التعليم
في الثقافة والذاكرة الجمعية
وفي عقول كل جنرلات الجيش الشعبي سليل جيش التحرير…
وهذا ما يمنح الموقف الجزائري شرعيته الأخلاقية والتاريخية.والتمايز عن كل العرب والمسلمين.
خاتمة
إن العلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست علاقة مصالح، بل علاقة دمٍ وثورة ومصير مشترك.وانا كصالح شقباوي ..ع المستوى الشخصي اعتبر نفسي تلمذا وابنا لهذه الثورة الجزائرية التي احلق بجناحها الملازم لجسدي وعقلي بجانب جناح فتح الاخر..نعم لها الكثير علي اكاديميا وعسكريا …
وقد شكّلت الجزائر العمق الثوري الأول لانطلاقة حركة فتح، ليس فقط بالسلاح والمال، بل بالوعي، والشرعية، والفلسفة التحررية.
فكما حرّرت الجزائر أرضها بالبندقية، ساعدت الفلسطيني على استعادة ذاته الثورية، ليعود إلى التاريخ فاعلاً لا ضحية.
مراجع مختارة
فرانتز فانون – معذبو الأرض
محمد حربي – تاريخ جبهة التحرير الوطني الجزائرية
ياسر عرفات – خطابات الثورة الفلسطينية
وليد الخالدي – الهوية الفلسطينية وإشكالية التحرر
عبد الله العروي – مفهوم الثورة
أعمال مركز الدراسات الفلسطينية – بيروت
أرشيف الثورة الجزائرية – وزارة المجاهدين








