دور مراكز الدراسات والأبحاث في مواجهة التضليل الفكري:

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

ليس من العدل ولا من الحق أن ينصّب الإنسان نفسه قاضيًا على الآخرين، فيوزّع الأحكام وفق أهوائه أو مصالح الجهات التي ينتمي إليها، خاصة حين يتحوّل هذا السلوك إلى ظاهرة يمارسها بعض حملة الأقلام الذين يدّعون امتلاك الحقيقة المطلقة، ويُقصون الآخر، ويستقوون أحيانًا بنصوص أو مرجعيات مقدّسة لتكريس آراء شخصية لا تحتمل هذا التفرد. أمام هذا النمط من التضليل الفكري، يصبح من الضروري الوقوف بوعي وإرادة لمواجهته.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة في العالم العربي إلى إنشاء مراكز أبحاث ودراسات علمية مستقلة، تُعنى بمختلف المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فالغرب الأوروبي، ولا سيما ألمانيا، يضم مئات مراكز الفكر التي تؤدي دورًا محوريًا في صناعة القرار، حيث تعمل على ربط البحث العلمي بالسياسة، وتقديم المشورة المبنية على الدراسات الموضوعية والواقعية. وتشير تقارير دولية، مثل تقرير جامعة بنسلفانيا لعام 2018، إلى المكانة المتقدمة التي تحتلها مراكز الفكر الألمانية عالميًا، سواء في مجالات السياسة الخارجية، أو مكافحة الفساد، أو الاقتصاد، أو تمويل البحث العلمي.
وتُعد مؤسسات مثل مؤسسة العلوم والسياسة (SWP)، والشفافية الدولية (TI)، والجمعية الألمانية للسياسة الخارجية (DGAP)، والمعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW)، ومؤسسة البحوث الألمانية (DFG)، نماذج واضحة على كيف يمكن للبحث العلمي المستقل أن يؤثر في السياسات العامة، وأن يحدّ من هيمنة الرأي الفردي أو الخطاب الدعائي المؤدلج.
في المقابل، تعاني أغلب مراكز الدراسات في العالم العربي من ضعف الاستقلالية، وغياب الحياد، وهيمنة التوجيه المسبق على نتائج البحوث، بحيث تكون الخلاصات مقرّرة قبل بدء البحث. وهذا ما يفسر اضطراب المواقف الفكرية، وضعف الحوار الموضوعي، وانتشار المراوغة الإعلامية، وتراجع أخلاقيات النقاش العام. كما يساهم الولاء الحزبي أو التنظيمي في إقصاء الباحثين المستقلين، ومعاقبة من يخالف الخط العام، الأمر الذي يفرغ البحث العلمي من جوهره النقدي.
إن التضليل الفكري، القائم على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة وتبرير الأخطاء والانحرافات، يشكّل أحد الأسباب الجوهرية للتخلف الفكري والميداني في عالمنا العربي. فالخطر لا يكمن فقط في الفعل الخاطئ، بل في تبريره نظريًا وأخلاقيًا وفق منطق ميكافيلي يقدّم المصلحة الضيقة على الحق والمجتمع. ومن هنا، فإن بناء مراكز أبحاث جادّة، مستقلة، وموضوعية، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية لمواجهة الانحراف، واستعادة قيمة العقل، وحماية الحقيقة من التشويه.