باحث في العلاقات الدولية
في عقيدتها الخارجية تُفضل واشنطن مسار إدارة الصراعات غير المباشرة مع الامساك بخيوطها بدلاً من حلها؛ لضمان وجود المبرر الدائم لحضورها سياسياً و/او عسكرياً في المشهد. وكنتيجة مطلقة لهذه السياسة تحقق واشنطن في الغالب مصالحها الحيوية على حساب مصالح طرفي النزاع. على سبيل المثال؛ صفقة المعادن النادرة التي وقعها ترامب في اذار 2025، مع الرئيس الاوكراني زيلينسكي والتي منحت واشنطن وصولاً تفضيلياً للموارد المعدنية في منطقة الدونباس شرق اوكرانيا عن باقي حلفائها الغربيين. وبالمثل، حصلت واشنطن على حقوق تطوير اقتصادية حصرية في ممر زانغزور او “ممر ترامب” حالياً، جنوب القوقاز بعد توقيع اتفاقية السلام بين اذربيجان وارمينيا في اوغسطس 2025.
تبدأ لعبة التفاوض عادةً بالسقوف العالية لمطالب طرفي النزاع، ثم تهبط اضطرارياً للوصول الى نقطة تمكن الطرفان من اعلان اتفاقية قابلة للتطبيق على قاعدة رابح-رابح. هذا في حال توافر النوايا الحسنة لحل النزاع، وتقييد التأثير السام لأطراف المصالح الاخرى. ومع ذلك، لا يوجد سابقة تاريخية تضمن بنسبة مئة بالمئة ان المفاوضات إذا ما انطلقت بين طرفين متنازعين سوف تفضي حتماً الى توقيع اتفاق. خاصة إذا ما عدنا الى حرب الـ 12 يوم في حزيران 2025، بين إيران-اسرائيل وامريكا والتي سبقتها خمس جلسات مفاوضات.
في مواقفهما المعلنة، ترفع كل من واشنطن وطهران شعاراً واحداً “الاولوية للتفاوض”؛ لكن من وجهة نظر مختلفتين تماماً، على ماذا نتفاوض؟ وما هي حدود التنازل؟ وإلى متى سيستمر مسار التفاوض، طالما ان الخطوط الحمراء للبلدين اصبحت متوازية؟؛ مع تساؤل مشروع، حول رسالة واشنطن في مشاركة قائد القيادة الأميركية الوسطى الأدميرال كوبر في سياق مفاوضات دبلوماسية!.
اشاعة الاجواء الايجابية المتعلقة بالمفاوضات لا تنسجم مع ما يجري التحضير له براً وبحراً وجواً. فالواقع يشير الى ان المنطقة اصبحت محشوة بالعتاد العسكري الامريكي والغربي؛ هو الاضخم من نوعه منذ الحرب التي شنتها قوات التحالف على العراق عام 2003. وسط تهديدات متواصلة صادرة عن ترامب بما فيها استقدام حاملة طائرات ثانية للمنطقة؛ مع مزيد من شحن العتاد العسكري. هذا التحشيد يتجاوز حدود الاستعراض العسكري على شواطئ طهران الى ورقة ضغط قصوى ربما تتحول سريعاً الى مواجهة عسكرية مباشرة، إذا ما تبددت آمال ترامب في الحصول على صفقة يضع توقيعه في ذيلها. بالمقابل، فإن التحضيرات العسكرية المقرونة بتهديدات قادة الحرس الثوري؛ تؤكد ان أي اعتداء على بلادهم سيُعد “حرب إقليمية” سوف يتسع نطاقها لتشمل القواعد والاصول الامريكية في المنطقة، لا يمكن اعتباره مجرد كلام للاستهلاك المحلي او شحناً للمعنويات.
بين الاجواء الايجابية وقرع طبول الحرب، لا يمكن تحليل وفهم سياسات ترامب المتقلبة والبناء عليها بثقة مطلقة. فحالة الغموض وعدم الافصاح هي بحد ذاتها استراتيجية ينتهجها ترامب في سياساته كعقيدة يتفاخر بها دائماً. مع أخذ ذلك في الاعتبار؛ والتدقيق في التغريدة التي نشرها على موقعه تروث سوشال بعد انتهاء الاجتماع مع نتنياهو “… لم يتم التوصل إلى أي شيء نهائي سوى أنني أصررت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان من الممكن إبرام اتفاق أم لا. إذا كان ذلك ممكنًا، فقد أبلغت رئيس الوزراء أن ذلك سيكون هو الخيار المفضل. إذا لم يكن ذلك ممكنًا، فسيتعين علينا فقط انتظار النتيجة…”. يمكن تسجيل على الاقل ملاحظتين، الاولى، ان ترامب ما زال يؤمن بمسار المفاوضات رغم الضغط الاسرائيلي، في الوقت نفسه، لم يسقط اللجوء لاستخدام القوة العسكرية.
في السياق الاول، يمكن اعتبار ان ترامب بدأ يستمع لمنطق العقل الذي تقوده دول الخليج وعلى رأسها العربية السعودية الى جانب الدبلوماسية المصرية المكثفة، ومفادها ان إيران الخطيرة او المتمردة مع وجود قيادة يمكن الجلوس معها وإدارة الملفات الشائكة، أفضل بكثير من إيران بلا رأس تسودها الفوضى وربما حرب اهلية، أو تقودها جماعات مسلحة تُشاطئ دول الخليج، وتهدد ممرات النفط والغاز وسلاسل التوريد لدول المنطقة والعالم. في السياق الاخر، يبدو ان ترامب قد قرأ جيداً تطورات الموقفين الروسي والصيني تجاه إيران، واحتمالية انتقال القطبين الكبيرين من مربع الاكتفاء بالدعم السياسي والدبلوماسي الى سُلم الدعم العسكري العلني لطهران. وبالتالي التورط في حرب طويلة مع ثلاثة دول مسلحة حتى الاضراس، لا يمكن التنبؤ بكيفية انهائها.
هذا الوضع الناشئ، الى جانب ظهور معارضة من قبل اعضاء فاعلين داخل الكونجرس من كلا الحزبين متعلقة بتصرفات ترامب الانفرادية في السياسة الخارجية، ربما تدفع ترامب لتجاهل الضغط الاسرائيلي، ويشجعه على قبول صفقة مع إيران كنصر سريع، تلتزم طهران بموجبها بالعودة لوضع منشآتها النووية تحت رقابة لصيقة من مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تسليم ما لديها من مخزون يورانيوم مخصب بنسبة 60% الى دولة ثالثة، مع ايجاد مقاربة غامضة لقضية صواريخها الباليستية بعيدة المدى. مثل هذه الصفقة إذا ما تحققت، تمنح ترامب مساحة كافية كعادته للترويج بتحقيق انتصار دبلوماسي مذهل، لم يستطع أي رئيس امريكي تحقيقه، دون ان تطلق واشنطن طلقة واحدة. بالمقابل، تستطيع طهران الترويج لنجاح دبلوماسيتها من زاوية رفع كل اشكال العقوبات التي انهكتها منذ سنوات، بالتوازي مع الحفاظ على برنامجها النووي السلمي.








