حفلت القصص والأساطير التاريخية بسردياتٍ عن العنف والحقد والقتل والحسد وحالات التوحّش البشري، حيث سُجِّلت أبرز مظاهر السلوك المستذئب للإنسان في الرُّقُم الأثرية وصحائف التاريخ. ومن هنا تظلّ إرادة استئصال العنف هاجسًا يؤرّق الباحثين في شؤون الإنسان ونزعاته، والساعين إلى فهم ما إذا كانت تلك الحالات من جوهر الطبيعة البشرية أم طارئة عليها. فالعنف يتنوّع بين تسلّطٍ فرديٍّ وقتلٍ شخصيٍّ، وصولًا إلى القتل السياسي المُبرَّر لغويًا، والمنظَّم استراتيجيًا وإعلاميًا.
كتب الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، قبل نحو خمسة قرون من الميلاد: «الحرب أمّ الأشياء». وقد أكدت الفلسفات التي تناولت «ذئبية الإنسان» أن الشرّ متأصل فيه، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى أن هذا الشرّ يتغذّى وينمو في ظروف الحروب الأهلية والدمار، كما عند الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، الذي شيّد نظريته السياسية في كتابه الشهير اللفياثان إبّان الحرب الأهلية الإنكليزية.
نستعيد هذه الرؤى في عصر انحطاط القيم وغياب النواميس الأخلاقية، حيث تتصدّر أخبار الحروب والدمار القنوات الفضائية، من فلسطين واليمن إلى العراق وسوريا وليبيا، بما يعيدنا إلى درس «ارتفاع منسوب الشر» وذئبية الإنسان، التي جعلت البشرية تقف مشلولة أمام سيل الدماء وحالات التوحش والقتل والتهجير.
لقد أكدت العديد من النظريات الفلسفية، التي سنناقش بعضها في هذه المقالة، أن ذروة الشر تتمركز في الإنسان ذاته. فبينما يسعى الإنسان إلى أنسنة علومه ومعارفه، يغفل عن أنسنة ذاته. وعجز الإنسان عن ترويض نفسه يمثّل قمة الضعف، حين يصبح هو نفسه الخطر الحقيقي على ذاته قبل أخطار الطبيعة.
وتعيدنا النظرة الذئبية للإنسان إلى قاعه الوحشي الرابض في أعماقه؛ إلى أصله الخام الغارق في الغرائز. وهذا القاع تُخفيه قشرةٌ من التمثيل والتصنّع والخداع، وتستره اللغة، تلك الأداة الأخطر التي يستخدمها لتمرير مفاهيم مثل حرية الرأي والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تُستعمل، في كثير من الأحيان، بازدواجية معايير فاضحة.
فالإنسان هو من أطلق على كائنات الغابة صفة «الوحوش»، بينما كان هو الوحش الأول. وهو من شقّ بطون تلك الكائنات، وانتزع أحشاءها، ثم صعد الجبل خطيبًا جهوريّ الصوت، معلنًا نهاية عصر الغابة وبداية عصر الإنسان، ذلك الإنسان الذي ذبح الطبيعة بأفكاره وآلاته الحربية وآرائه التي صاغها لقتل الجمال والحياة.
ومنذ القرن السادس عشر بدأت النصوص الفلسفية تتناول مسألة العنف والسلوك الذئبي الإنساني، ساعيةً إلى معالجة هذا الإرث الدموي من منظور أخلاقي. غير أنها اصطدمت بما بات يُعرف بـ«العنف الضروري»، وهو عنف جرى تبريره فلسفيًا من أجل الوصول إلى ما سُمّي بالفردوس الأمني.
وقد تحمّلت نصوص فلسفية عديدة مسؤوليةً معنوية عن مجازر عالمية، ومنها نصوص فريدريش نيتشه، الذي يُعدّ قنطرة الفلسفة بين القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد وُضعت أفكاره على منصة الاتهام، ولا سيما بعد أن استلهم أدولف هتلر مفهوم «الإنسان الأعلى» من كتاب هكذا تكلم زرادشت، مع أن هذه الإدانة تبقى منقوصة وغير مكتملة.
لقد عشق هتلر نصوص نيتشه، كما عشق موسيقى ريتشارد فاغنر، ولا سيما مقطوعة «الفالكيري»، المرتبطة بالمخيال البطولي الجرماني. إلا أن ذلك لم يُلغِ تعدد التأويلات لأفكار نيتشه، كما نرى في كتاب نيتشه والفلسفة للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، أو في قراءة رودولف شتاينر في كتابه نيتشه مكافحًا ضد عصره.
أما مفكرون آخرون، مثل نيكولو ميكافيللي في كتاب الأمير، وتوماس هوبز، وهيغل، فقد وُجّهت إليهم اتهامات بتهيئة الأرضية الفلسفية لتبرير العنف والقتل. وقد شنّ الفيلسوف كارل بوبر هجومًا لاذعًا على هيغل، معتبرًا أن فلسفته المثالية الألمانية أسهمت في ترسيخ النزعات التي قادت إلى الحروب الكبرى، ومنها الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها عشرات الملايين. وكتب بوبر:
«إن فلسفة هيغل مهّدت لظهور قومياتٍ متطرفة، حين أكدت أن الشعب لا يحقق ذاته إلا بالحرب، وأن الدولة فوق الأخلاق، وأن الفرد مجرد أداة في خدمتها».
وقد تناول هذا النقد الفيلسوف روني بوفريس في كتابه العقلانية النقدية عند كارل بوبر (1972)، مبيّنًا الجدل الدائر حول تبرير العنف فلسفيًا.
وبقي سؤال العنف والتوحش الذئبي سؤالًا جوهريًا يؤرق الباحثين في سلوك الإنسان وهزائمه الداخلية. فعندما كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مشروع السلام الدائم عام 1795، لم يكن يقدّم حلًّا نهائيًا بقدر ما كان يطلق صرخةً أخلاقية في وجه العالم. بينما رأى هيغل أن هذا الطرح أقرب إلى الوهم، لأن العنف ــ في تصوره ــ يولّد عنفًا، والفوضى تحرسه، والقوة تديمه.
لقد ساهمت السلطة والمال والعلم في تطوير أدوات القتل والدمار، وباتت الحروب تُغذّى بفائضٍ من الجبروت والتقنية. وقد تنبّأ مارتن هايدغر بما سيشهده القرن العشرون من فاشية ونازية، ورأى أن التوحش المتجذّر في الإنسان، والقائم على التمييزات العنصرية، ليس من السهل ترويضه أو احتواؤه.
وفي هذا السياق يبرز الفيلسوف جون ميشال بيسنييه، أحد أبرز منظّري ما بعد الإنسانية، الذي يرى أن التطورات التقنية قد تفضي إلى استبدال الإنسان نفسه. ويشير بيسنييه إلى أن هيغل شكّك في إنسانية الأفارقة، وهو ما يكشف عن عمق الكراهية التي تتناسل عنها أشكال العنف والوحشية والذئبية.









