جاري التحميل...

ذاكرة الموس والنغم: سيرة حلاق من الداخل الفلسطيني

– إعلامية وباحثة في ثقافة السينما من حيفا

عندما اقترح علينا محرر صحيفة “الأيام نيوز” الجزائرية الغراء أن نكتب عن مهنة الحلاق الرجالي، اجتاحتني قشعريرة من الحنين. فقد أيقظ هذا الاقتراح العفوي في داخلي طاقة من الذكريات الجميلة التي لم تطوها السنون، وأعادني أربعة وثلاثين عاماً إلى الوراء، وتحديداً إلى عام رحيل والدي خالد عرموش (رحمه الله) عام 1992، حين كنت فتاة في الرابعة عشرة من عمري.
كان أبي، المولود عام 1944، أكثر من مجرد حلاق رجالي؛ كان حكاية كفاح وأناقة، وفناناً أتقن صنعته وشق طريقه من قريته طمرة، التي أصبحت مدينة اليوم، إلى تل أبيب ليتعلم أصول المهنة ويصقل مهاراته. هناك تمكّن من أدواته، واشتهر بين أبناء جيله بمهارته في الحلاقة بالموس التقليدي، حتى ارتبط اسمه بالجودة والأناقة وطلاقة اللسان وحسن المعشر. ورغم أنه غادرنا مبكراً وهو في الثامنة والأربعين من عمره، إلا أن الأثر الذي تركه كان أعمق وأطول من سنوات عمره القصيرة.
ورغم أنني ولدت ونشأت في مدينة حيفا، موطن والدتي، فإن أيام السبت في طفولتي المبكرة كانت تحمل نكهة خاصة. كان والدي يصطحبني معه أحياناً إلى طمرة، حين كنت في الخامسة أو السادسة وحتى السابعة والثامنة من عمري، وأحياناً إلى بعض الأعراس التي كان يشارك فيها بحكم مهنته. ما زلت أذكر تلك المحلقة بوضوح، وكأنني أراها الآن؛ كانت تقع مقابل مبنى بلدية طمرة، في مساحة استأجرها والدي من عائلة كنعان الكريمة وحوّلها بجهده وذوقه الخاص إلى محلقة رجالية استقبلت على مر السنين أبناء القرية وزوارها، وبجوارها كان يقع محل لخياطة الملابس الرجالية.
وفي أيام السبت تلك، لم تكن حركتي تقف عند عتبة المحلقة؛ بل كنت أتسلل أحياناً إلى محل الجار الخياط، أستعير منه بقايا الأقمشة الملونة وزوائدها، وأقضي الوقت في ربطها وتشكيلها لأصنع منها دمى طفولية تُشبع خيالي الصغير. وفي أحيان أخرى، كنت أقف بشغف طفولي أمام شباك السيدة ليزا كنعان، أتأمل مرطبانات اللبنة والجبنة العربية المكبوسة بالزيت والمصنوعة بحب، والتي كانت تزين عتبة النافذة. وما إن تلمحني حتى يشرق وجهها بابتسازمة عريضة، وتناولني لقمة من اللبنة الطازجة التي ما زلت أستطعم دفق محبتها وجيرتها الطيبة حتى اليوم.
وعلى نقيض هذا الدفء والبهجة، كانت هناك تفصيلة أخرى في المكان تثير في نفسي رهبة خفية؛ فبالمواجهة من محلقة والدي، كان يقع المرحاض بنظامه العربي التقليدي. بالنسبة لطفلة صغيرة، كان ذلك الحمام بمثابة لغز ومغامرة غير مأمونة العواقب. كنت حين أُضطر لدخوله، أقف عند عتبته وأنا أرتجف خوفاً من تلك “الجورة” الأرضية، ويتملّكني رعب شديد من أن أهوي في قاعها. كان ذلك الخوف الصادق يمثل مواجهتي الأولى كطفلة مع هيبة المكان وبساطته، وهي المفارقة التي كلما تذكرتها اليوم، ابتسمتُ لحجم براءتها وشدة ذلك الخوف الذي تبدد مع السنين.
في ذلك المكان الصغير، كنت أراقب والدي بفخر طفولي. كان رجلاً فصيحاً، يجيد الحديث ويستحوذ على انتباه من حوله. أنيقاً في مظهره، مرتباً في هندامه، تفوح منه رائحة الكولونيا والنظافة. ولم تكن المحلقة مجرد مكان لقص الشعر أو تهذيب اللحى، بل كانت فضاءً اجتماعياً يلتقي فيه الرجال لتبادل الأخبار والآراء والطرائف، في زمن كانت فيه المهن التقليدية تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وثقافياً مهماً.
ومن بين الذكريات التي ما زالت تبتسم في وجداني، حادثة صغيرة وقعت عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي. كنت ألحّ عليه أن يقص شعري مثل بعض الفتيات، لكنه كان يرفض دائماً قائلاً إن البنت أجمل بشعرها الطويل. يومها بكيت بحرقة، وأمام دموعي المتواصلة لم يطاوعه قلبه. فابتسم أخيراً، وأمسك المقص ليقص لي غُرّة صغيرة، فقط كي يشعرني بأنه استجاب لرغبتي. وما زلت أذكر تلك الغُرّة حتى اليوم بوصفها أجمل ما صنعت يداه من أجل أن يجبر خاطر طفلته.
لكن حضور والدي لم يقتصر على المحلقة، بل امتد إلى واحد من أجمل الطقوس الاجتماعية في الأعراس الفلسطينية داخل الوطن، وهو طقس “زيانة العريس”. ففي تلك الأيام، لم يكن الحلاق مجرد صاحب مهنة يُستدعى لإنجاز عمل ثم يغادر، بل كان شخصية محورية في الاحتفال، يشارك في صناعة المشهد وقيادة إحدى لحظاته الرمزية المهمة.
كان الحلاق يحضر إلى بيت العريس وسط أجواء احتفالية عامرة بالفرح. يجلس العريس بين أهله وأصدقائه، بينما تتعالى أصوات النسوة بالغناء والزغاريد والمهاهاة، في مشهد يعكس روح الجماعة والتكافل الاجتماعي. ومن أشهر الأغاني التي كانت تُردد في تلك المناسبة، وما زالت أصداؤها تسكن ذاكرتي:
إحلق يا حلاق بالموس الفضية.. إحلق يا حلاق
تمهل يا حلاق لا تتيجي الأهلية.. تمهل يا حلاق
إحلق يا حلاق بالموس الذهبية.. إحلق يا حلاق
تمهل يا حلاق لا تتيجي الأهلية.. تمهل يا حلاق
إحلق يا حلاق ومسح بشاشاتو.. إحلق يا حلاق
تمهل يا حلاق لا ييجوا عماتو.. تمهل يا حلاق
في هذه الأغنية لا يبدو الموس مجرد أداة للحلاقة، بل يتحول إلى موس من فضة وذهب في عيون المحبين. أما النداء المتكرر “تمهل يا حلاق” فيحمل معنى أعمق من الكلمات؛ فهو رجاء لإبطاء الزمن قليلاً حتى تكتمل دائرة الأحبة، وتصل الأم والأخوات والعمات للمشاركة في هذه اللحظة الفاصلة من حياة العريس. وكان والدي جزءاً من هذا المشهد الشعبي الجميل، يقف بثقة وأناقة، يمارس فنه بالموس، فيما تتدفق من حوله مشاعر الفرح والانتماء.
ولم يتوقف أثره عند حدود ممارسته للمهنة، بل امتد إلى نقلها للأجيال التالية. فقد قام، بروح المعلم وحرص الأخ الأكبر، بتعليم شقيقه الأصغر أسرار المهنة وأصولها، ومنحه عدة الحلاقة الخاصة به. واليوم، وبعد عقود طويلة، ما زال عمي يمارس هذه المهنة حتى يومنا هذا، الأمر الذي يجعلني أشعر بأن منهجية والدي وأسلوبه في العمل لم يغيبهما الرحيل، بل استمرا عبر من حملوا عنه الأمانة.
ولم يكن هذا الإرث حكراً على وجداني كابنة؛ بل إن ذاكرة طمرة الشفوية ما زالت تفيض حباً بالاعتراف بريادته ومكانته الاجتماعية. فحين نبشتُ في فضاء الذاكرة المحلية لأستعين بشهادات أبناء البلدة، انهمرت الردود كشواهد تاريخية حيّة؛ إذ يستذكر أحدهم بفخر أنه حجز دوراً عنده قبل زفافه بشهر كامل ليفوز برونق حضور “العم والصديق خالد” وذوقه التراثي في ليلة العمر، بينما يحفظ آخر تاريخ عروسه بدقة في نيسان 1984، حاملاً أثر “طيب ثراه”. وتوالت الشهادات لتؤكد أنه كان حلاق الآباء والأجداد، عُرف بصبره الطويل مع الزبائن، وبأناقته وخلقه الرفيع.
ولم تقتصر الذاكرة على مقصه وموسه؛ بل وثقت ملامح ذكائه وعصاميته المبكرة في زمن مركب؛ حيث استذكر كبار البلدة كيف كان والدي “مدبراً أموره” بوعي لافت وحصافة اجتماعية ولغوية يتنقل بها بين طمرة وحيفا ، في فترة كان مجرد التدبر فيها والحديث بطلاقة يعتبر إنجازاً استثنائياً. هذه الردود الممزوجة بالحنين لأيام “كانت فيها الناس بألف خير”، أكدت لي أن محلقته لم تكن مكاناً عابراً، بل كانت فضاءً من المحبة والوفاء الممتد الذي يتحدى الغياب.
ولعل أجمل ما في الذاكرة أنها قادرة على إعادة الحياة إلى أشخاص غابوا عنا منذ زمن. لذلك أشكر ذلك الاقتراح الذي أعادني إلى أبي، وأشكر صحيفة “الأيام نيوز” الجزائرية التي دفعتني إلى كتابة هذه السطور. فهذه ليست مجرد حكاية عن حلاق رجالي، بل محاولة متواضعة لتوثيق صفحة من صفحات الحياة الاجتماعية الفلسطينية، حين كانت المهنة رسالة، وكان الحلاق شاهداً على أفراح الناس وذاكرتهم، وحين استطاع رجل بسيط أن يصنع من موس الحلاقة نغماً، ومن المهنة إرثاً، ومن العمل كرامةً تبقى بعد الغياب.