السياسي -متابعات
ابتكر فريق من الباحثين في اليابان تقنية جديدة تتيح إمكانية التحكم في دوائر عصبية معينة داخل مخ الحيوان عن طريق الذكاء الاصطناعي من أجل تعديل بعض سلوكياته.
وتعتمد هذه التقنية التي توصل إليها باحثون من جامعات ناغويا وأوساكا وتوهوكو اليابانية على التحكم في بروتينات معينة ذات الحساسية للضوء داخل مخ الحيوان من أجل وقف نشاط بعض الخلايا العصبية بالمخ دون المساس بالخلايا المجاورة لها.
وتكشف هذه الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية Science Advances النقاب عن منظومة متطورة تعمل بالذكاء الاصطناعي تستطيع مراقبة حيوان بعينه داخل مجموعة، ثم استهداف بعض خلايا المخ للتأثير عل التفاعلات الاجتماعية لهذا الحيوان.
منظومة “يورو” لرصد السلوك بدقة
واستطاع الباحثون عن طريق هذه المنظومة، التي أطلقوا عليها اسم “يورو”، Your Optimal Recognition Utility رصد سلوكيات معينة لدى الفصائل الحيوانية بدرجة دقة تصل نسبتها إلى 90%، بما في ذلك آليات تقاسم الغذاء لدى النمل أو التفاعلات الاجتماعية لدى بعض الأسماك وأنماط التزاوج لدى الفئران.
غير أن الانجاز الحقيقي لهذه التقنية تحقق خلال التعامل مع ذبابة الفاكهة، حيث استطاع الفريق البحثي عن طريق المنظومة السيطرة على خلايا مخ هذه الذبابة لمنعها من الطنين الذي تستخدمه عادة أثناء التزاوج لاجتذاب الإناث، مما يقلل من فرص الذكور في التزاوج.
وتعمل منظومات متابعة السلوكيات الحيوانية في العادة عن طريق تسجيل حركات جسم الحيوان في صورة كادر حركي تلو الآخر، على غرار ما يحدث في تقنيات الحركة المستخدمة في ألعاب الفيديو، ولكن هذه المنظومات لا تحقق نجاحاً كبيراً عندما يحدث تداخل بين تحركات أكثر من حيوان أمام العدسة، مما يستلزم وجود منظومة تصوير أسرع عندما يكون من الضروري رصد حركات تقوم بها تلك الحيوانات أو الحشرات خلال أجزاء من الثانية.
دمج الذكاء الاصطناعي بالبصريات الوراثية
يقول الباحث هاياتو يامانوشي خريج كلية العلوم بجامعة ناجويا وأحد المشاركين في الدراسة: “بدلاً من تسجيل حركات جسم الحيوان في صورة لقطات متتالية، ترصد منظومة يورو السلوك بأكمله خلال مقطع فيديو واحد، وبالتالي تستطيع تسجيل سلوكيات الذباب والنمل والأسماك بدرجة دقة تتراوح ما بين 90 و98%، وهي تعمل أسرع بنسبة 30% من المنظومات المشابهة لها”.
وفي تصريحات لموقع Neurosciencenews المتخصص في أبحاث طب الأعصاب، أوضح رئيس فريق الدراسة أزوسا كاميكوشي أن الإنجاز الحقيقي في هذه التقنية يتمثل في الجمع بين الذكاء الاصطناعي وعلم البصريات الوراثي، الذي يقصد به استخدام الضوء للتحكم في الخلايا العصبية التي يتم معالجتها وراثياً.
وأضاف: “يمكننا وقف عمل الخلايا العصبية التي تحرك سلوكيات الغزل لدى الذباب بمجرد أن تسجل منظومة يورو أي بادرة من الذكر لتحريك جناحه للتحرك نحو الأنثى، لقد نجحنا خلال إحدى التجارب في استهداف الخلايا العصبية المسؤولة عن السمع لدى إحدى الذبابات دون المساس بباقي الذباب المجاور”.
حل مشكلة الاستهداف الجماعي في التجارب
يرى الباحثون أن هذه التقنية الجديدة تعالج مشكلة رئيسية في المنظومات المشابهة السابقة التي كانت تؤثر على جميع الحيوانات أو الحشرات في التجربة دون إمكانية استهداف عناصر بعينها دون غيرها.
وعندما كان الباحثون في الماضي يريدون استخدام الضوء للتحكم في الخلايا العصبية، كان يطلقون الأشعة الضوئية داخل غرفة المختبر بأسره، مما يعني أن جميع الحيوانات أو عناصر التجربة كانت تتأثر بشكل متزامن، مما يجعل من شبه المستحيل رصد التغيرات التي طرأت على سلوكيات حيوان بعينه بمعزل عن باقي الحيوانات المحيطة به.
لكن منظومة يورو تسمح بتوجيه الأشعة الضوئية إلى ذبابة بعينها أثناء الطيران أو نملة معينة خلال أجزاء من الثانية بمجرد أن تبدأ في الإتيان بالسلوك المراد تعديله أو التحكم فيه، دون أي تأثير على الاطلاق على باقي الحشرات أو الحيوانات المجاورة.
آلية العمل داخل الخلايا العصبية
وخلال التجربة، استطاع الباحثون إجراء تعديلات وراثية في بعض خلايا الحيوانات أو الحشرات عن طريق زرع بروتينات ذات حساسية للضوء تعرف باسم “الأوبسينات” داخل الخلايا العصبية في المخ.
وتستطيع هذه البروتينات تشغيل أو تعطيل عمل الخلايا العصبية حال تعرضها لمؤثرات خارجية مثل أشعة ضوئية على سبيل المثال.
وفي إطار الاختبارات، كانت المنظومة تتابع سلوكيات حيوان معين في نفس لحظة حدوثها، وبمجرد أن ترصد السلوك المطلوب استهدافه، تقوم على الفور بإرسال رسالة كهربائية إلى مصدر ضوئي، حيث يتم توجيه أشعة ضوئية إلى الحيوان المستهدف، وعندما يصل الضوء إلى الخلايا العصبية المعالجة وراثيا، تتجاوب البروتينات ذات الحساسية للضوء.
ويتمثل دور هذه البروتينات في فتح قناة للأيونات على غلاف الخلايا العصبية المستهدفة مما يؤدي إلى تعطيل أو تفعيل وظيفتها حسب نوع الإشارة، مما يترتب عليه تعديل النشاط العقلي للحيوان وبالتالي التأثير على سلوكه.
ويؤكد الباحثون أن منظومة يورو تعمل على مجموعة متنوعة من الحيوانات والحشرات والأسماك، ويمكن تدريبها بواسطة قدر ضئيل من قواعد البيانات، ولا يحتاج استخدامها إلى اكتساب خبرات معينة في مجال البرمجة.
وأتاح الفريق البحثي من جامعة ناجويا تقنية يورو للباحثين من مختلف أنحاء العالم عبر الانترنت من أجل دراسة كيفية تحكم المخ في التفاعلات الاجتماعية لدى الأنواع الحية.






