رأي السلفيّة في علم الكلام والتأويل و الإيمان.

د. عدنان عويد

رأي السلفيين في علم الكلام:

يقول السلفيون بأن علم الكلام علم دخيل على الإسلام, استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس, كما يقول محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة).

وإن طريقة علماء الكلام, في الحديث عن الجواهر والعراض, والحادث والقديم, هي طريقة مبتدعة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح, لذا هم يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله. وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام, يقر بأن المنهج السلفي  لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي :

1- رفض التأويل بغير دليل.

2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدي

3- هذا وأن هناك أقوالاً رواها الإمام “الشافعي” في موقفه من علم الكلام حيث ذكر “الذهبي” في ترجمته عن الإمام “الشافعي” جملة نصوص تدل بوضوح على موقفه من علم الكلام منها:

آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد.

ب – ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.

ج – والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم, خير له من أن يتكلم فيقال : زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

د – وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً : لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا, ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم, ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

هـ – وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال : سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !. وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة.

ح – وقال: حُكْميَ في أهل الكلام, أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر, ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

ك – وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي : لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني : كان الشافعي ينهى عن علم الكلام. وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي, فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام  فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

ل – وقال الشافعي : لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!

م – وقال : ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!

ومن تتبع كلام الأئمة وجد لذلك نظائر كثيرة ولعل فيها عبرة لمن ينتسب إليهم في الفروع ثم يخالفهم في الأصول. (1).

التأويل الكلامي عند السلفيّة:

التأويل بالمعنى الاصطلاحي كما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح, أي مفتوح الدلالات أو الاحتمالات. فمثل هذا التأويل عند  السلفيين مرفوض, لأن ما هو ظاهر في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به, والمصير أو العودة إليه, وهم يقولون إن فتح باب التأويل يهدم الدين, بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد, وبالتالي يستنطقها بغير المراد منهما. والسلفيون يقولون إن الخوارج وغيرهم من أهل البدع عندما أولوا قول الله أولوه لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق, فقد  فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر. وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي. (2).

هذا ونستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام ” أبو حامد الغزالي “. حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي :

الوصية الأولى:

أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع, وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا). ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين. وليعلم العَلِمْ الذي يدعـي الاطلاع, وهو مراد النبي (صلعم) في جميع ذلك،  فدعــواه لقصور عقله لا لوفوره.

الوصية الثانية:

أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا, فإن العقل لا يَكْذٌبَ،  ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.

وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل, لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة.

الوصية الثالثة:

أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مـراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله (ص) بالظن والتخمين خطــر. فإنما يُعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهـر فمن أين تعلم مراده؟ وبالتالي لا بد أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين.

ولكن وجود الاحتمالات في كلام العرب لما تحمله اللغة العربية من بديع ومجاز, يفسح في المجال لوجود طرق كثيرة للتوسع في دلالات مفرداتها, ولكي نحصر الاحتمال الأقرب للمراد يتطلب  التوقف في التأويل أسلم. (3).

المسلك الصوفي في التأويل:

أما المسلك الصوفي والنموذج السلفي في تحقيق التأويل, نجده بشكل واضح عند الغزالي الذي يقصـد مـن التأويـل شيئا أوسع غوصا، وأعمق في فهم النصوص، التي قد تعتبر في نظره ونظر بعض العلماء غيره من باب المتشابهـات، أو غيـر المقصودة على ظاهـرها، وذلك ليـس من باب ما تؤول إليهـا معانيهـا، ولكن مـن بـاب الكشـف على وجه العلاقة بين التمثيلات التي تشيـر إلى نـوع من الارتبـاط، أو التشابـه بين عالم الغيب وعالم الشهادة. (4).

إذن فالمقصود الذي قصده أبو حامد الغزالي وأستاذه أبو الحسن الأشعري، ومن سار على دربهما، ليس هو مجرد التفسير اللغوي للنص، والتسليم العقلي للاقتناع به، وإنما هو عملية عقلية وروحية في آن واحد، ذلك أن العقل يؤول المتشابه إلى ما يعرض على العقل من دلالات، (أي كثرة الدلالات التي تتبدى للعقل في النص المتشابه) والتي تأخذ أصولها من المحكمات الشرعية, (أي الآيات المحكمات). وهذا المنهج يستعمل في الحقيقة عند علماء الكلام. أما التأويل عن طريق الإدراك الروحي/ الذوقي, فهو عمل بعدُ علم، وعلم بعد عمل وعلم. بمعنى: أن الطريق الموصل إلى إدراك الحقيقة الواقعيّة للنصوص محل التأويل هو تصحيح التصور، أو المفاهيم العقليّة ابتداءً فيما يخص العقيدة أولاً، ثم العمل على تثبيت هذا الاعتقاد بعد ذلك ثانياً، حيث سيرتقى الحال إلى درجة مكاشفة، وهذا ما يُصطلح عليه بالمعرفة اللدنيّة، أو العرفان. لذلك فإن معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة لا يمكن أن يحصل من علم الكلام، بل يكاد يكون علم الكلام حجابا عليه، ومانعا عنه، وإنما تتحقق عمليّة الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه تعالى مقدمة للهداية حيث قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). (سورة العنكبوت – الآية -69) .

وعند هذا البعد الذي يمثله التأويل كما كان عليه في عهد السلف الصالح, يتدخل الصوفي ليحدد مفهوم السلفيّة الحقة في قضايا العقيدة، فيقول: بأن التأويل لا يجوز التصريح به، وانه علم خاص يؤتيه الله من يشاء من عباده الصالحين.

(وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا). (آل عمران – الآية – 7).

وعلى هذا السبيل، نجد أغلب الصوفيّة يحذرون من التأويل، وينهون عنه، إذا كانت المسألة مجرد فكر ولغة، وذلك حتى لا يقع المؤول فيما لا تحمد عقابه، من تشبيه وتجسيم وهو لا يدري.

ومن هذا المنطلق في حرص “الغزالي” على الدين والخوف من الابتعاد عن الروح السلفيّة التي يؤمن بها, نراه يقول :

(أعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهــل البصائر ومذهب السلف، أي مذهب الصحابة والتابعين، وها أنــا أورد بيانه وأبين برهانه فأقـول: إن حقيقة مذهب السلف، هو الحق عندنا، وإن كـل من بلغه حديث من هـذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمـور:  التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجـز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة. والموقف الرئيسي الذي يهمنا من هـذه السبعة هو «الإمساك عن التصرف في النص) .(5 ).

مسألة الإيمان عند السلفيّة:

ينقسم السلفيّة في هذه المسألة إلى اتجاهين :

الأول: وهم الأشاعرة ومن يلتقي مع مدرستهم الفكريّة, حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب.

بينما الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الوهابي السلفي, فيقر بأن الإيمان قول باللسان, وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح, ويزيد بزيادة الأعمال, وينقص بنقائصها. ولا يكتمل قول الإيمان إلا بالعمل, ولا قول ولا عمل إلا بنية, ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة, أي بما يتفق بما جاء بالقرآن أو الحديث أو ما يقره أهل الجماعة,  وهم متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع.  وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله. … لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية, إلا أن يزول أصل الإيمان, ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص. وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه. بل تجوز عليهم الذنوب, ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط, ويكذبون من يعطيها لغيرهم, ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه  معذورون, أو مخطئون أو مصيبون, ويكفرون مَنْ يسئ لهم, وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء. (6) .

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

[email protected]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث.

2– المرجع : مقال للدكتور أحمد رشوان – “السلفية قواعد واصول” عن موقع الإسلاميون.

3- يراجع في ذلك: التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة-  محمد محمد بنيعيش – مجلة دعوة الحق. العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-1992 .

4-  التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة-  محمد محمد بنيعيش – المرجع السابق.

5- التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة-  محمد محمد بنيعيش – المرجع السابق.

6- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية : كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية-  عبد الرحمن عبد الخالق  – موقع ندوة الإيمان . ويراجع كذلك: مقال ” ” مسألة الإيمان” –محمد عمر سالم  بازمول – موقع جامعة ام القرى. كما يراجع ايضاً كتاب – (العواصم من القواصم في تحقيق موقف الصحابة بعد وفاة النبي (ص).) – لأبي بكر بن العربي- 543- 468 هـ