رجوب ورفض المصافحة: حين ينتصر المبدأ على إغراءات اللحظة

بقلم الدكتور صالح الشقباوي

 – أستاذ محاضر في الفلسفة وعلم الاجتماع، الجزائر
في لحظةٍ تختبر فيها المواقفُ قبل الكلمات، وتُقاس فيها الوطنية بالفعل لا بالخطاب، جاء رفض جبريل الرجوب مصافحة نائب رئيس اللجنة الأولمبية الإسرائيلية كفعلٍ دلاليٍّ يتجاوز حدود البروتوكول الرياضي، ليغدو موقفاً وطنياً مكثفاً، نابضاً بروح الشارع الفلسطيني ووجدانه الجمعي.
ليست المصافحة، في السياق الفلسطيني، مجرد سلوكٍ دبلوماسي عابر، بل هي فعلٌ رمزيٌّ محمّل بإشارات الاعتراف والتطبيع، في لحظةٍ لا يزال فيها الاحتلال قائماً، والحقوق الوطنية مُصادرة، والكرامة الإنسانية مُنتهكة. ومن هنا، فإن رفض الرجوب لا يمكن قراءته بوصفه موقفاً شخصياً أو انفعالاً ظرفياً، بل هو تعبير عن وعيٍ سياسي عميق، يُدرك أن الرموز في الصراع لا تقل أهمية عن الوقائع، وأن المعركة على المعنى لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.
إن الرجوب، في هذا الموقف، لا يكتفي برفض المصافحة، بل يعيد تعريف العلاقة بين المبدأ والواقع؛ إذ يقدّس المبدأ حتى وإن بدا أن الواقع يضغط باتجاه التسويات الرمزية. هنا يتجلى البعد الفلسفي للموقف: فحين يُختزل الواقع إلى إكراهات آنية، يصبح التمسك بالمبدأ فعلاً تحررياً، يحرر الذات الوطنية من الانزلاق التدريجي نحو القبول بما هو مفروض. فالمصافحة، في هذا السياق، ليست مجرد تواصل إنساني، بل اعتراف ضمنيّ بشرعية واقعٍ مرفوض في الوعي الجمعي الفلسطيني.
لقد جاء موقف الرجوب متناغماً مع نبض الشارع الفلسطيني، ذلك الشارع الذي يرى في كل أشكال التطبيع خرقاً لذاكرة الألم، وقفزاً فوق تضحيات الشهداء، وتجاوزاً لمعاناة الأسرى واللاجئين. ومن هنا، فإن هذا الرفض لم يكن معزولاً، بل وجد صداه في الوجدان الشعبي الذي لا يزال يربط بين الكرامة الوطنية والرفض القاطع لأي سلوك يُفهم منه تطبيع أو تكيّف مع الاحتلال.
غير أن هذا الموقف يفتح أيضاً باب التساؤل: هل يمكن للمبدأ أن يصمد دائماً أمام تعقيدات الواقع؟ وهل يتحول تقديس المبدأ، في بعض الأحيان، إلى قطيعة مع إمكانيات الفعل السياسي؟ هنا تكمن الجدلية الكبرى التي يعيشها الفلسطيني: بين ضرورة الحفاظ على نقاء الموقف، وحتمية التعامل مع واقعٍ دوليٍّ وإقليميٍّ ضاغط. لكن ما يُحسب للرجوب أنه، في هذه اللحظة، اختار أن ينحاز إلى الثابت، لا إلى المتغير؛ إلى القيمة، لا إلى المصلحة الآنية.
وفي هذا السياق، أتوجه بتحية خاصة من القلب، بصفتي باحثاً في الفلسفة وعلم الاجتماع، إلى هذا الفلسطيني الكبير جبريل الرجوب، الذي اختار المبدأ على المصلحة، وارتقى بموقفه إلى مستوى الفعل الأخلاقي الذي يعيد الاعتبار للقيم في زمن الالتباس. إنها تحية تقدير لموقفٍ أعاد للرمز معناه، وللوطنية حضورها الصافي، وللإنسان الفلسطيني قدرته على التمسك بثوابته مهما تعاظمت الضغوط.
هكذا، يتحول الفعل البسيط إلى موقفٍ فلسفيٍّ عميق، وتتحول لحظة عابرة إلى تعبيرٍ عن وعيٍ تاريخيٍّ متراكم. وفي زمنٍ تتآكل فيه الحدود بين المبدأ والمصلحة، يأتي هذا الرفض ليعيد التذكير بأن الشعوب التي تفقد قدرتها على قول “لا”، تفقد، تدريجياً، قدرتها على أن تكون.