بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقينا نبأ رحيل القيادي الفلسطيني والمناضل الحاج راتب العملة “أبو بلال”، أحد رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية الذين عملوا بصمت وإخلاص في مسيرة النضال الطويلة من أجل حرية فلسطين واستقلالها.
برحيل الحاج راتب العملة تفقد الساحة الفلسطينية واحدًا من القيادات التي آمنت بأن العمل الوطني ليس مجرد شعارات أو مواقف إعلامية، بل هو التزام يومي ومسؤولية تاريخية تتطلب التضحية والعمل الدؤوب بعيدًا عن الأضواء.
كان الراحل مهندسًا خريج كلية الهندسة التكنولوجية في العراق في سبعينيات القرن الماضي، لكنه اختار أن تكون حياته مكرسة لقضية فلسطين. وعندما تلتقي به لأول مرة تجد الإنسان الهادئ، البسيط، الخلوق، الذي يفضل الصمت على الضجيج، والعمل الحقيقي على الظهور الإعلامي.
غير أن هذا الهدوء كان يخفي خلفه تجربة نضالية عميقة ومسؤوليات تنظيمية كبيرة. فقد كان عضوًا في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي – قيادة التنظيم الفلسطيني في القطر العراقي، كما شغل موقعًا في اللجنة المركزية لجبهة التحرير العربية، إضافة إلى عضويته في قيادة قوات الداخل – مكتب الأرض المحتلة.
وفي تلك المرحلة لعب مكتب قيادة الأرض المحتلة دورًا مهمًا في بناء وتطوير التنظيمات الوطنية داخل فلسطين، سواء في الضفة الغربية أو القدس أو قطاع غزة، وكذلك في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948. وقد كان العراق في تلك المرحلة يشكل حاضنة سياسية ولوجستية لدعم العمل الوطني الفلسطيني، من خلال التدريب والتأهيل وإعداد الكوادر المناضلة.
وفي إطار هذا العمل جرى تدريب وإعداد العديد من المناضلين في معسكرات خاصة داخل العراق، قبل عودتهم إلى الأرض المحتلة للمساهمة في تأسيس البنية التنظيمية والسياسية والعسكرية للمقاومة الفلسطينية في الداخل.
كما شاركت جبهة التحرير العربية خلال تلك المرحلة في عدد من العمليات الفدائية عبر الحدود العربية داخل فلسطين المحتلة، إضافة إلى عمليات أخرى داخل الضفة الغربية وقطاع غزة بالتنسيق مع قوى جبهة الرفض الفلسطينية.
ومن أبرز المحطات التي شهدتها تلك المرحلة محاولة استهداف أرئيل شارون داخل مزرعته الخاصة عام 1981، حيث اشتبكت المجموعة المنفذة مع حراسات شارون قبل أن تتعذر عملية الاغتيال. وكان الحاج راتب العملة ضمن مجموعة العمل القيادي التي أشرفت على ملفات العمل في الأرض المحتلة.
لقد التقيت بالراحل في العديد من ساحات العمل النضالي، في العراق وبيروت وقبرص، وفي كل مرة كنت تشعر بأنك أمام رجلٍ يحمل فلسطين في قلبه، ويؤمن بعروبتها وبالبعد القومي لقضيتها، وهي القناعة التي ظلت راسخة في فكره وانتمائه السياسي.
رحل الحاج راتب العملة، لكن أمثال هؤلاء المناضلين لا يغيبون عن الذاكرة الوطنية، لأنهم كانوا جزءًا من مرحلة مهمة من تاريخ النضال الفلسطيني، مرحلة كان العمل فيها يجري في ظروف صعبة ومعقدة، لكنها كانت مليئة بالإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية من أجلها.
نم قرير العين أيها المناضل…
ففلسطين التي أحببتها ستبقى وفية لأبنائها.





