رحيل ريتا ملهمة محمود درويش تاركة وصيتها بترجمة فكر بغيرك

وديع عواودة

عن القدس العربي- وديع عواودة

عن 79 عاما، وبعد صراع مع المرض، رحلت في برلين السيدة اليهودية الملهمة للشاعر الفلسطيني محمود درويش في بدايات شبابه ومسيرته الشعرية، تمار بن عامي، الواردة بواحدة من من قصائده الأولى باسم “ريتا”.

عملت تمار بن عامي (ريتا) في العقدين الأخيرين مديرة لمشاريع فنية، وكانت توزع وقتها بين برلين وحيفا. وكان محمود قد تعرّف على الفتاة اليهودية عام 1963، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، وكانت في مقتبل عمرها عندما كتب لها قصيدة غزلية جاء فيها “بين ريتا وعيوني بندقية… والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية”.

وكانت “القدس العربي” قد التقتها على هامش ندوة ثقافية عام 2018 استضافها المركز الثقافي في بلدة إكسال، قضاء الناصرة، على شرف الذكرى السنوية ليوم الأرض، فاستعادت بشغف تلك العلاقة التي لم تدم بين شاعر فلسطين وفتاة يهودية التحقت بالجيش لاحقا، فقالت: “كنت عضوا في فرقة للرقص الشعبي في حيفا أدارتها حياة توما زوجة المؤرخ الفلسطيني الراحل إميل توما. في 1963 شاركت مع الفرقة في عرض فني استضافته مدينة شفاعمرو، قضاء الناصرة، وكان محمود قد قدم قصيدتين ثم جلس في الصف الأول داخل القاعة، وقد بدا كالغزال يشع جمالا وأناقة.. فالتقت العيون وأحسست بتيار كهربائي يشعل قلبي ووقعنا في الحب من أول نظرة وابتدأ المشوار”.

في ندوة إكسال قرأت قصيدة “فكر بغيرك” ودعت لترجمة القصيدة للغات العالم، بوصفها بطاقة هويته كشاعر كوني كبير، وكونها بيانا إنسانيا عالميا تستحق أن تتبناه كل مدرسة في العالم مادة للتربية والتعبئة الاجتماعية. في الندوة كشفت بعض جوانب تلك العلاقة دون أن تتطرق لسبب عدم ارتباطهما، وقالت وهي تستعيد بانفعال فتاة في عمر الورد المتفتح، وباحت بالقول: “لم تسر في عروقي قشعريرة منذ عقود كما أحسست اليوم وأنا أرى أمامي المنصة تزدان بصور محمود وهو في ريعان شبابه”.

لم يتزوجها محمود، ولاحقا ارتبط بزوجتين ما لبث أن انفصل عنهما، لكن الحب لم يخب، على الأقل لديها، وفي الحديث معها قالت لـ “القدس العربي” ردا على سؤال عن مفاعيل الحب وماذا ترك بها حب محمود، فقالت: “محمود مرساة حياتي، بل مصدر إلهامي الذي بفضله عرفت عالم الكلمات والإبداع، ومن أجل ذلك ما زلت أطوف الدنيا حاملة رسالة فلسطين والسلام”.

هل ما زلت تحتفظين بشيء محسوس من محمود؟

“هذه الجزئية من عمري كانت صاخبة، وقراءة الرسائل من جديد عملية موجعة وقاسية، خاصة بعدما أدركنا أننا عالقون. يبدو لي أن محمود كان يرغب بأن يبقى في الذاكرة العامة للبشرية كشمعة في الظلام”.

ونعى الفنان عبد عابدي “ريتا”، وكشف في الوقت نفسه عن علاقتها السابقة بالشاعر الوطني الفلسطيني محمود درويش، وهو جانب شخصي لم يكن معروفا على نطاق واسع من قبل الجمهور. وكتب الفنان الحيفاوي عبد عابدي في منشور على صفحته: “بمشاعر الحزن، أنعي وفاة الصديقة تمار بن عامي بعد صراع مع المرض”.

وأشار إلى أن قصة الحب بين درويش وتمار كانت معروفة فقط ضمن الدائرة المقربة من الشاعر، ولم يتم التطرق إليها علنيا من قبل أصدقائه أو وسائل الإعلام سابقا. أوضح عبد عابدي أن ذكرى تمار ستظل خالدة في وجدان من عرفوها وتابعوا مسيرتها، مؤكدا على مساهمتها في النشاط الاجتماعي والثقافي، وعلى دورها في حياة الشاعر محمود درويش الشخصية والإبداعية.

في حديث لـ “القدس العربي” أضاف عابدي أنه تحدث مع “ريتا” قبل أسابيع، وتبادل معها الأمنيات سوية مع أصدقاء مشتركين ضمن مجموعة في تطبيق واتس أب يحمل اسم “جميلة” على اسم المناضلة الجزائرية التي قاتلت ضد الاستعمار الفرنسي، منوها أنه عرف “ريتا” منذ كانت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، وكشف أنها طلبت مساعدته في 1998 في اللقاء مع محمود درويش في فرنسا، وفي نهاية المطاف وجدت طريقة وحققت أمنيتها.

رحلت “ريتا” وما زال في القلب متسع للبندقية، وهي السيدة اليهودية التي سكنت شعر شاعر فلسطين محمود درويش، وهناك من يعتبره “حبا شبابيا حالما صادقا وعابرا”، وهناك من اعتبره حبا مستحيلا ومواجهة بين قلب ووطن.

في مقابل الانشغال الواسع، وربما الطبيعي، بالموضوع، وربما الانشغال غير المحتاط على قدر كاف من الحذر والحقيقة، تساءل الكاتب الناقد مرزوق الحلبي، ابن بلدة دالية الكرمل قضاء حيفا، من برلين في منشور بعنوان “لا شيء لدي ضد قصص الحب” عن سيل الكتابة عن تمار بن عامي في رحيلها، وهي ريتا في قصيدة محمود درويش.

وقال الحلبي في منشوره: “من الأمور التي استعصى علي فهمها هذه الكتابات عن تامار بن عامي بعد وفاتها، كأن العلاقة بينها وبين درويش لا تزال هنا والآن ولم تنقض، أو كأن الذين كتبوا لا يزالون على اعتقاد أن درويش لم يكبر ولم ينضج ولم يكتب بعد ريتا أي شيء، ولم يجر عملية قلب مفتوح ولم يرحل، أو كأنهم تقمصوه وكتبوا ما أسقطوه عليه بعد التقمص”.

ومضى الحلبي في محاولة رسم ملامح العلاقة الحقيقية هذه: “لروح تمار/تامي السلام، ولذكرياتها يومذاك مع درويش كل الاحترام. لكن ما العمل أن درويش نفسه كبر مئات السنوات منذ تلك القصة، وأن قصيدته تلك للمتأمل فيها ليست قصيدة حب بقدر ما هي حالة أطل منها على مأساته ليقول للوافدين إلى وقتنا ما يقول السياسي شعرا. قد يكون أحب ريتا حبا كبيرا وهذا لا يعنيني من قريب أو بعيد، وقد يكون حفظ لها الود أو حافظ معها على صلة ما. هذه مسألة شخصية أتركها له. لكني أعرف أن درويش غادر في شعره وتجربته وسيرته تلك النقطة وانتقل إلى نقاط ومحطات وحالات وعلاقات أخرى. لقد غادر البدايات وأوضح في أكثر من موقع وزمان أنه غادر وابتعد وأنه يريد من الجمهور، جمهور النقاد وجمهور محبيه، أن يأتي معه إلى المواقع التي وصلها وألفها في الشعر وفي الواقع والفكر والعبر. وآلمه جدا أن هذا الجمهور بمعظمه بقي عند ريتا أو عند أحن إلى قهوة أمي. كما أن تمار لم تظل في الإطار الذي جمعها بدرويش ولا في تلك النقطة، بل غادرتها إلى ما اختارته في حياتها”.

أمسية حيفا

ويستذكر الحلبي أن درويش في أمسية حيفا، في 15 تموز 2007، نزل عن المنصة وأنهى من ناحيته ما كان بدأه، وصعد بنا معه إلى السماء، بيد أن الجمهور الذي يحب درويش حبا خانقا أجبره على العودة ليؤدي قصيدة “أحن إلى قهوة أمي”، وهو الذي كان طلب من المنظمين أن يتركوا له حرية مطلقة في اختيار القصائد للأمسية وفق ما يراه هو. التقيته في اليوم التالي، المرة الوحيدة التي التقيته فيها لساعات طويلة، واشتكى بارتعاشة خفيفة من الجمهور الذي أحرجه وحشره في خانة اليك وطعجه طعجا غصبا عنه (أقول هذا حتى لا أستعمل كلماته احتراما للجمهور ولذكراه). ولأني كنت قد كتبت مداخلة طويلة عن التحولات في شعره وفي سيرته الفكرية وفي الذروة التي بلغها يومها وتقصير النقاد في تتبعه وإيلاء تجاربه المتأخرة الاهتمام الذي تستحقه، سمح لنفسه أن يكاشفني بأساه حيال ما اعتبره إصرار الجمهور والنقاد ليس فقط على شده إلى الوراء بل بكيل الاتهامات له ولشعره لأنه وصل إلى ما خلص إليه”.

ويخلص الحلبي للقول: “من هذه الزاوية أرى إلى هذا الكم من الكتابة عن تامي بن عامي واستعادة درويش في سنته العشرين أو أقل، أو أنهم أرادوا أن يبرهنوا على إمكانية العيش المشترك في واقع الإبادة باستخدام قصة حقيقية من الماضي البعيد. لا يكفي احترام ذكرى درويش ولا مشاعره، علينا باحترام إرادته أيضا، وكانت واضحة أن نسير معه طريقه وتجربته، أن نكون معه في وحدته وفي أفكاره وخيباته. أو سأقولها بشكل آخر، واصلوا حبكم لقصائد درويش الأولى، ولا تحبسوه فيها، أحبوا تجربته في الحزب الشيوعي، لكن حرروه من هذا الحب ولا تنسوا له تجاربه اللاحقة، وهي الأطول وهي الأساس. لكن يبدو أننا لا نزال مولعين بقصص الحب، وأنا لا شيء لدي ضد قصص الحب”.