رسائل لم تصل… ووطن لا ينتظر

بقلم : شادي عياد

كتبتُ رسالة.

لم تكن رسالة سياسية ولا بيانًا ثوريًا ولا حتى مقالًا من تلك المقالات التي اعتدت أن أطلق فيها الكلمات كالرصاص.

كانت رسالة إنسان… إلى “إنسان”.

أنا ابن فتح العتيقة، رجل أمضى سبعة عشر عامًا في موقع مدير عام يعمل في خدمة هذه الدولة ومؤسساتها وشعبها العظيم ويدفع اشتراك التأمين الصحي الحكومي عامًا بعد عام كما يفعل آلاف الموظفين الذين آمنوا أن فتح و الدولة — مهما اشتدت عليها الظروف — لا تنسى أبناءها.

ما أمر به اليوم لا امر به وحدي… إنه ما يمر به كل موظف شريف في هذا الوطن.
لكنني أملك الجرأة على الكتابة، وامتلاك هذه الجرأة هو ما جعلني أرسل رسالتي رغم صعوبة الموقف.

لقد مرّت ثلاث سنوات كاملة دون أن أتقاضى راتبي كحال آلاف الموظفين .

ثلاث سنوات.
لم أطلب صدقة.
ولم أطلب منّة.

طلبت فقط جزءًا من مستحقاتي المالية المتراكمة لدى وزارة المالية وهو حقي الذي عملت من أجله سنوات طويلة.

كتبت الرسالة باحترام.
وبثقة.
وربما — أعترف اليوم — بقدرٍ من السذاجة.

لأنني ظننت أن بعض الرسائل ما زالت تجد طريقها إلى قلوب الرجال.

لكن الرسالة… لم يصلها الرد.

انتظرت قليلًا.

ثم كتبت رسالة ثانية لا لأكرر الطلب… بل لأعتذر عن الأولى.

اعتذرت لأنني ربما أخطأت حين ظننت أن ما في صدري من صدق قد يجد صداه عند الآخرين.

وسحبت طلبي… لأن الإنسان قد يطلب حقه مرة لكنه لا يستطيع أن يطلب كرامته مرتين.

واليوم…

كنت في المستشفى.

بعد أن قرر الأطباء أنني بحاجة إلى عملية قسطرة.

تم نقلي بسيارة إسعاف إلى المستشفى الاستشاري وهناك قيل إن الأمر لا يحتاج سوى تحويلة طبية رسمية حتى أتمكن من إجراء العملية.

تحويلة… فقط.

ليس طلب امتياز.
ولا طلب سيارة مصفحة !!!

مجرد إجراء إداري بسيط لمواطن يدفع اشتراك التأمين الصحي الحكومي منذ سبعة عشر عامًا ولم يتقاضَ راتبه منذ ثلاث سنوات.

لكن ما حدث كان عرضًا آخر من عروض التهرّب التي أتقنها بعض الجالسين على الكراسي الوثيرة.

هذا يحيلك إلى ذاك.
وذاك ينتظر ردّ الآخر.
والآخر يتصرف وكأنك لا تفهم اللعبة.

وكأن الوطن كله تحوّل إلى دائرة من التنصّل…
يدور فيها المواطن وحده.

وفي لحظةٍ كهذه يكتشف الإنسان مفارقة موجعة:
أن الحصول على تحويلة طبية لإجراء قسطرة قد يكون أسهل بكثير من الحصول على تحويلة ضمير في بعض المكاتب.

وفي تلك اللحظة فقط فهمت الدرس.

المتكلّسون الذين ابتُلينا بهم في بعض مواقع القرار لا يملكون في الحقيقة شيئًا يعطونه لهذا الشعب.

ليس لأن الشعب لا يستحق…
بل لأن كل ما يتقنونه هو احتراف تبديد مقدّرات الشعب الفلسطينيعلى على نزواتهم الوظيفية من سيارات مصفحة وغيرها من فسافس الأمور .

هم لا يعيشون من أجل فلسطين.

بل يعيشون من فلسطين.

يسخّرون الشعب كله لخدمتهم…
بدل أن يسخّروا مواقعهم لخدمة الشعب.

ولهذا لم يعد الناس يطيقون حتى سماع أسمائهم.

ليس غضبًا فقط…
بل قرفًا.

لقد خذلوني.

لكن الحقيقة الأهم أنهم لم يخذلوني أنا وحدي…

لقد خذلوا فلسطين.

خذلوا فكرة أن يكون في هذا الوطن مسؤول يرى في الناس أهله، لا عبئًا عليه.

لكن ليكن واضحًا:

لن يجبرنا أحد على القبول بهذه النماذج المتكلّسة.

ولن يجبرنا أحد على التعامل مع من حوّلوا مواقعهم إلى أدوات تبديد لمقدرات الشعب الذي يفترض أنهم خُلقوا لخدمته.

لأن اللحظة التي يتحول فيها المسؤول إلى عبء على شعبه…
هي اللحظة التي يبدأ فيها الشعب بالبحث عن طريقٍ آخر.

ولهذا ربما لم يعد السؤال اليوم:

لماذا خذلونا؟

بل أصبح السؤال الحقيقي:

متى يبدأ الفلسطينيون بالمناداة الجدية لولادة حزب جديد…

حزب لا يسخّر الشعب الفلسطيني لخدمة قلة متكلّسة…

بل يسخّر كل طاقات الكون لخدمة الشعب الفلسطيني.

وحينها فقط…

لن تكون الرسائل التي تُكتب من قلب الألم أوراقًا تُترك في الأدراج.

بل ستكون بداية الطريق.