السيد القائد العام لحركة فتح،
تحية الوطن الذي لم يغادرنا، وتحية الثورة التي ما زالت تسكننا رغم كل التحولات والانكسارات.
تدخل حركة فتح اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها، مرحلة يمكن توصيفها فلسفياً وسياسياً بأنها لحظة “مأزق بنيوي”، يتجاوز مجرد الخلافات التنظيمية إلى إشكالية في الوعي الحركي ذاته، وفي طبيعة العلاقة بين الفكرة وممارستها، بين الثورة ومؤسساتها. إن هذا المأزق لا يُختزل في تراجع الأداء، بل يمتد ليطال بنية الحركة، وفاعلية أدواتها، وقدرتها على تمثيل الحلم الوطني الفلسطيني كما ينبغي.
إننا أمام استحقاق تاريخي يتمثل في المؤتمر الثامن، وهذا الاستحقاق لا ينبغي أن يكون مجرد محطة تنظيمية، بل لحظة تأسيسية لإعادة إنتاج فتح، فكراً وبنيةً ودوراً. ومن هنا، فإن المدخل الحقيقي للخروج من هذا المأزق يبدأ من مصالحة فتح مع ذاتها؛ مصالحة عميقة وصادقة، تعيد الاعتبار لوحدة الحركة، وتُنهي حالة الانقسام الداخلي التي أضعفتها وأفقدتها الكثير من حضورها ودورها الطليعي.
إن “فتح تتصالح مع فتح” ليست شعاراً عاطفياً، بل ضرورة وجودية. فلا يمكن لحركة تقود مشروعاً وطنياً تحررياً أن تكون منقسمة على نفسها. وعليه، فإن المطلوب هو إعادة بناء الثقة داخل الأطر الحركية، وفتح المجال أمام جميع الكوادر للمشاركة في صياغة المستقبل، بعيداً عن الإقصاء أو التهميش.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري معالجة الخلافات داخل اللجنة المركزية، باعتبارها القلب القيادي للحركة. إن إعادة تفعيل دور القيادات التاريخية والفاعلة، واستيعاب شخصيات مثل محمد دحلان، توفيق الطيراوي، عباس زكي، وناصر القدوة، ضمن أطر الحركة، يشكل خطوة أساسية نحو استعادة التوازن الداخلي، وإعادة ضخ الحيوية في شرايين التنظيم.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه فتح اليوم، لا يكمن فقط في الخلافات التنظيمية، بل في ظاهرة يمكن تسميتها بـ*”البقرة المقدسة”* داخل الحركة. هذا المصطلح يعبر عن حالة من الجمود الفكري والتنظيمي، حيث تتحول بعض الأشخاص أو المواقع أو الأفكار إلى مناطق محرمة لا يجوز نقدها أو مراجعتها، مما يعطل آليات التطور ويقيد حرية الحركة.
إن استمرار “البقر المقدسة” في التحكم بمفاصل القرار، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، يؤدي إلى شلل تنظيمي، وإلى إنتاج أزمات متكررة داخل نسق الحركة. ومن هنا، فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي يجب أن يبدأ بـتفكيك هذه الظاهرة، وعزل تأثيراتها، وإعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة، وحرية النقد، وتجديد الدماء.
إن فتح بحاجة إلى “إنعاش”، لكن هذا الإنعاش لا يكون عبر الشعارات، بل عبر إعادة بناء البنية التنظيمية على أسس ديمقراطية، وتعزيز الشفافية، وإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، بما يضمن شراكة حقيقية في القرار.
وقبل الذهاب إلى المؤتمر الثامن، لا بد من تهيئة المناخ الداخلي، عبر نشر الأجواء الإيجابية، وتعزيز روح الوحدة والتماسك. فالمؤتمر ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإنتاج قيادة وبرنامج يعكسان طموحات القاعدة الفتحاوية، ويستجيبان لتحديات المرحلة.
نريد مخرجات مؤتمر تشبهنا، تشبه أحلامنا، وتشبه قضيتنا التي ما زالت مستهدفة. نريد فتح التي نعرفها:
فلسطينية الوجه، عربية العمق، إنسانية الرسالة، واضحة اللسان.
ختاماً، فإن المرحلة تفرض علينا شجاعة المراجعة، وجرأة القرار. ويجب أن نقول بوضوح:
آن الأوان أن تتراجع “البقر المقدسة”، وأن يُرفع الغطاء عن كل ما يعيق حركة فتح من الانطلاق بحرية. فلا قداسة إلا لفلسطين، ولا أولوية إلا لمشروعها الوطني.
حفظ الله فتح، وحفظ فلسطين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





