رفض هيغل لفكرة «الشعب المختار»:

بقلم: د. صالح الشقباوي*

تحليل في الأنساق المعرفية، والديالكتيك، وقوانين الفكر، وتناقضات الأضداد””

 

ملخص البحث
يتناول هذا البحث موقف الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل من فكرة «الشعب المختار» كما ترد في اللاهوت اليهودي، وذلك من خلال تحليل أنساقه المعرفية، ومنهجه الديالكتيكي، وقوانين الفكر، ومنطق التناقض بين الأضداد. ينطلق البحث من أطروحة مفادها أن هيغل رفض التصور اللاهوتي الذي يمنح جماعة بشرية امتيازاً ميتافيزيقياً مطلقاً خارج حركة التاريخ والعقل، ورأى فيه شكلاً من أشكال الوعي المغترب عن الكلية الإنسانية وعن الروح المطلقة. كما يناقش البحث العلاقة بين التيه والشتات، والاغتراب في الطبيعة، وعقلنة الوجود التاريخي، وصولاً إلى تفكيك الأسطورة اللغوية–التاريخية المتعلقة بالأسبقية الوجودية لليهود.

د..ص.ش

مقدمة

تمثل فكرة «الشعب المختار» إحدى أكثر الأفكار اللاهوتية إثارة للجدل في تاريخ الفكر الديني والفلسفي، لما تنطوي عليه من إقصاء أنطولوجي للآخر، وتعطيل لحركة التاريخ بوصفه مجالاً لتجلي العقل الكلي. وقد وقف هيغل موقفاً نقدياً صارماً من هذه الفكرة، لا من منطلق ديني مضاد، بل من داخل الفلسفة العقلانية الجدلية، التي ترى أن التاريخ هو مسار تطور الوعي الإنساني نحو الحرية، وأن العقل لا يمنح امتيازاته لشعب بعينه خارج قوانين الصيرورة.
أولاً: النسق المعرفي الهيغلي ونقد الوعي اللاهوتي المغلق
يرى هيغل أن الوعي الديني الذي يحبس ذاته في فكرة الاصطفاء الإلهي يتحول إلى وعي منغلق، عاجز عن إدراك ذاته كجزء من الكل الإنساني. فالنسق المعرفي عنده يقوم على:

وحدة العقل والتاريخ
كلية الروح الإنسانية

نفي الجزئي المنغلق لصالح الكوني المتحقق
ومن هذا المنطلق، فإن الادعاء بأن جماعة تاريخية محددة هي «شعب الله المختار» يمثل، في المنطق الهيغلي، وعياً ما قبل فلسفي لم يبلغ بعد مرحلة المصالحة بين الذاتي والموضوعي.
ثانياً: التيه والشتات بوصفهما تعبيراً عن الاغتراب
يفسر هيغل مرحلة التيه والشتات في التاريخ اليهودي بوصفها حالة اغتراب مزدوج:
اغتراب عن الأرض (الطبيعة)
اغتراب عن التاريخ الكوني
في هذه المرحلة، يعجز الوعي عن التعرف على ذاته كفاعل تاريخي حر، فيلجأ إلى الدين بوصفه تعويضاً ميتافيزيقياً عن العجز الوجودي. وهنا لا يكون الدين قوة تحرر، بل أداة لتثبيت الشعور بالذنب والخطيئة، وإعادة إنتاج الوعي المأزوم داخل دائرة مغلقة من الانتظار والخلاص المؤجل.
ثالثاً: العقل الفلسفي وعقلنة الأفكار الوجودية
في كتابه «العقل في التاريخ»، يؤكد هيغل أن:
«العقل يحكم العالم، وبالتالي فإن التاريخ الكوني هو مسار عقلاني».
ويعني ذلك أن أي رواية تاريخية لا يمكنها أن تكون صادقة ما لم تخضع لمنطق العقل، وقوانين الفكر، وحركة الديالكتيك. فالعقل الفلسفي، عند هيغل، هو القادر على:
عقلنة الأفكار الوجودية
تحرير الوعي من الأسطورة
نقل الإنسان من الاغتراب في الطبيعة إلى الفعل في التاريخ
ومن هنا، فإن بقاء الوعي اليهودي – وفق القراءة الهيغلية – في حالة اغتراب دائم يعكس عدم اندماجه الكامل في حركة الروح المطلقة.
رابعاً: الديالكتيك وتناقض فكرة الاختيار
تقوم الديالكتيك الهيغلية على مبدأ:

الأطروحة
نقيض الأطروحة
التركيب

وفكرة «الشعب المختار» تنهار ديالكتيكياً لأنها:
أطروحة تدّعي الامتياز المطلق
تفتقد نقيضها الداخلي
تعجز عن إنتاج تركيب كوني إنساني
وبالتالي، فهي فكرة غير تاريخية، لأن التاريخ لا يعترف بالثبات، بل بالحركة والصيرورة.
خامساً: الإشكالية اللغوية–الأنطولوجية (آدم واللغة)
يطرح المنطق الفلسفي سؤالاً إشكالياً حول الادعاء بأسبقية الوجود اليهودي:
إذا كان اليهود «شعب الله المختار» منذ البدء،
فهل سبق وجودهم وجود آدم؟
وإذا كان آدم أول إنسان، فكيف نطق لغة مخصوصة (العبرية) قبل تشكل الجماعة التاريخية؟
يرى العقل الفلسفي أن هذا الادعاء يدخل في نطاق الأسطورة اللاعقلانية، لا في نطاق التاريخ أو الأنطولوجيا. فاللغة، عند هيغل، نتاج تاريخي–اجتماعي، لا معطى أزلياً سابقاً على الإنسان.
سادساً: من الوعي الديني إلى الوعي التاريخي
ينتهي هيغل إلى أن خلاص الإنسان لا يتحقق عبر الانغلاق في رواية دينية مغلقة، بل عبر:
الاندماج في التاريخ
الاعتراف بالآخر
تحقيق الحرية بوصفها جوهر الروح
وبذلك، فإن رفض هيغل لفكرة «الشعب المختار» هو في جوهره دفاع عن إنسانية الإنسان، وعن التاريخ كمسار عقلاني مشترك.
خاتمة
يؤكد هذا البحث أن موقف هيغل من الرواية اليهودية للاختيار الإلهي ليس موقفاً عقائدياً، بل فلسفي–عقلاني، ينطلق من مركزية العقل، ووحدة التاريخ، وكلية الروح الإنسانية. فالتاريخ، عند هيغل، لا يُكتب من خارج العقل، ولا يتحقق عبر الامتياز، بل عبر الصراع، والتجاوز، والمصالحة الجدلية. ومن هنا، فإن أي ادعاء بالاصطفاء المطلق يتناقض مع منطق الفلسفة، ومع قوانين الفكر، ومع حركة التاريخ ذاته.
المراجع (إرشادية)
هيغل، جورج فيلهلم فريدريش: العقل في التاريخ
هيغل: فينومينولوجيا الروح
شارل تايلور: هيغل والحداثة
هربرت ماركوزه: العقل والثورة

دكتور فلسفة جامعة بودواو_ بوزريعة*