رواية “حنين” لعاهد نصاصرة

بقلم: مهند طلال الاخرس

رواية “حنين” لعاهد نصاصرة، رواية تقع على متن 318 صفحة من القطع المتوسط، وهي صادرة عن الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين في رام الله / فلسطين سنة 2023.
الرواية تتناول حكايا وتجارب المطاردين في مرحلة نضالية هامة، وتحديداً الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 من خلال تناول سيرة بطل الرواية المطارد اسامه وحبيبته حنين. تلك الاحداث التي يدور فضائها المكاني في احدى قرى نابلس [بيت فوريك] .
الرواية تستعرض واقع المجتمع الفلسطيني القروي تحديدا وتناقضاته ابان الانتفاضة الاولى؛ وذلك من خلال تناول ظاهرة الشرف وكم هي معاييرها ظالمة في مجتمعاتنا وتركز على الفرج وغشاء البكارة كرمزية عالية للشرف واولى الاوليات، اضافة الى النميمة والاغتياب والتحريض وما ينجم عنهم من شيوع ظاهرة القتل بسبب الشرف، وهذا ما حصل مع حنين بطلة الرواية .
احداث الرواية بنيت ونمت بشكل متصاعد مع نمو شخصية اسامة وتدرجه بالعمر والتحربة؛ فالرواية تتناول سيرة ومحطات تشكّل وعي طفلٍ فلسطيني يُدعى أسامة، منذ لحظة طفولية بريئة تتحوّل إلى وصمة اجتماعية تلاحقه طوال حياته، وصولًا إلى نضجه في سياق الانتفاضة واكتشافه معنى المقاومة والكرامة.
تبدأ الأحداث بمشهدٍ صادم: طفلان، أسامة وحنين، يقلّدان الكبار ببراءة ويتبادلان القبلات. غير أنّ المجتمع يتعامل مع المشهد بوصفه «فضيحة أخلاقية»، فيُعاقَب الطفل بالضرب والإهانات، ويُسأل سؤالًا غامضًا لا يفهمه: «هل فتحتها؟»، بينما تُسحَب الطفلة إلى القابلة للتأكد من «سلامتها». منذ تلك اللحظة، يُوصَم أسامة بالانحراف، وتُفرض عليه عزلةٌ قاسية ورقابة مشددة، ويُحرَم من رؤية حنين، والتي يهاجر اهلها من البلاد هروبا من نظرات الناس والسنتهم الجائعة والمتشوقة دائما للفضائح.
تتحوّل براءة الطفل اسامة المكبوتة إلى هوسٍ ورغبةٍ متقدة بالانتقام من العائلة والمجتمع ككل، فيبدا بارتكاب سلسلة من الافعال الشيطانية بحق القرية والمجتمع ردا على غضبه الكامن وعلى طريقة تعامل المجتمع معه..
تكبر شخصية اسامة في بيئةٍ قروية مثقلة بالتناقضات: أبٌ قاسٍ، مجتمع يجلد ضحاياه، ومدرسة لا تفهم الطفل. يتعرّض أسامة للتحرّش من أستاذه، ويُتّهم بالسرقة والتدخين، فيتحوّل — تحت وطأة الوصم — إلى ما اتُّهم به. يصبح متمرّدًا، عنيفًا، ميّالًا إلى الانتقام، حتى يصل إلى مرحلة الاستمتاع بإيذاء الحيوانات وحرق شجرة الزيتون انتقامًا من أبيه. وبعطل مواتير كهرباء القرية انتقاما منها…
هكذا يرسم الكاتب شخصية نامية مركّبة، لا تنتمي إلى ثنائية الخير والشر، بل تتشكّل تحت ضغط القهر العائلي والاجتماعي والسياسي.
تكشف الرواية بجرأة عن عيوب البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية: نقدٌ للسلطة ولاتفاقيات أوسلو، وتجسيدٌ لشخصيات متواطئة مع الاحتلال، مثل المختار والاستاذ والسكير رائد ، مقابل شخصيات أخلاقية مضيئة مثل عبد الجبار، الذي يمثّل الحكمة والاتزان والوعي الوطني المتسامي ذي الخطاب النقدي.
كما تحضر قضية العملاء، والفساد، والانكسار القيادي في مقابل شعبٍ يرى نفسه منتصرًا معنويًا. كما تسلط الرواية الضوء على المفارقة والمفجأة الكبرى الحاصلة ابان توقؤع اتفاق اوسلو ؛ فاسامة المناضل والفدائي والمطارد ينتظر قرارا بالعفو عنه حتى ينزل من الجبل ويعود لحياته الطبيعية، وبينما هو على جمر الانتظار للاخبار التي يحملها له عبد الجبار بهذا الخصوص، واذا به يفجأ ان العفو يصدر عن الجواسي والعملاء ولم يصد للان عن المطاردين والمناصلين…
التحوّل الجوهري في حياة بطل اارواية أسامة يحدث مع اندلاع الانتفاضة؛ ويتعزز هذا الشعور باستشهاد صديق عمره الوحيد يوسف، إذ يجد في المقاومة معنىً أسمى لوجوده، فتمنحه الشجاعة والمواجهة إحساسًا بالقيمة والاعتبار، ويستعيد احترامه لذاته، ويتعلّم القراءة والكتابة، ويسترجع صداقاته، ويبدأ مسارًا جديدًا من النضج. هنا تصبح المقاومة فعلَ خلاصٍ فردي وجماعي في آنٍ واحد.
في الجبل يدله التم عبدالحبار على كهف مزود بكافة الاحتياجات واللوازم للمطارد، ويخبره بسيرة عذا الكهف وتاريخه منذ ثورة القسام وصاخبه عبدالله السيلاوي وصولا لمرخلة انطلاقة الثورة المعاصرة وتاسيس القواعد الارتكازية والامنة وكانت المغارة لها نصيب كبير من هذه الحكتية ومن سيرة ابطال الثورة الفلسطينية الذي مروا من هنا كياسر عرفات وممدوح صيدم…
تتداخل الاحداث وتتصاعد وتتشابك الخيوط مع عودة وتاسيس السلطة الوطنية وبدء تسوية ملفات المطاردين والعملاء ايضا، وفي خضم هذا الزحام والاخبار المتلاخقة تعود حنين واهلها الى القرية بعد ان ان تكون انهت دراستها كطبيبة لتعود الامال تنعش ايام لسامة من جديد ، وفجأة اصبحت ايام اسامة اكثر تفاؤلا واكثر املا…
يتجدد اللقاء وينتعش الحب من جديد، لكن سوء الحظ يابى ان يفارق صاحبنا، ويأيى إلا ان يضع لمساته لا بل يترك بصماته الموحلة على سيرة اسامة …
تقتل حنين نتيجة وشاية وتحريض من رائد العميل، وهنا يقرر اسامة الانتقام من الجميع …
في المحصلة، «حنين» رواية عن الطفولة المكسورة، وعن أثر القمع في تشكيل الانحراف، وعن إمكانية الخلاص عبر الفعل الجماعي والمقاومة. وهي عملٌ يرصد تداخل الشخصي بالوطني، ويقدّم شخصية أسامة بوصفها مرآةً لمجتمعٍ كاملٍ يعيش بين الجرح والأمل.
وهي بهذا المعنى رواية سيرية حافلة بالدروس والتجارب الوطنية الصادقة والبعيدة كل البعد عن التكلف والتنميق والتزويق عدا عن انها تروي الوقائع كما حصلت بدون تحريف او تزويق؛ وهذا ما جعلها جريئة في نقد الواقع وتقديمه كما هو رغبة في تقديم الدروس والعبر التي تنهل منها الاجيال اللاحقة.