جاري التحميل...

روسيا وإستونيا في مواجهة الخطاب الأمني الأوروبي: رسائل الردع والتحولات الاستراتيجية في بحر البلطيق

الدكتورة مروة شهيد

باحثة في التاريخ المعاصر وتحليل العلاقات الدولية

شهد بحر البلطيق خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة جعلته يتجاوز كونه ممراً جغرافياً للتجارة والمواصلات، ليتحول إلى فضاء استراتيجي تتقاطع فيه الحسابات العسكرية والسياسية والأمنية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي, وقد اكتسب أهمية أمنية متزايدة في ظل تصاعد التنافس الروسي-الأوروبي، ولا سيما بعد الحرب الروسية-الأوكرانية وانضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، الأمر الذي أعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية في شمال أوروبا,
وفي قلب هذا المشهد تبرز إستونيا بوصفها إحدى دول الجناح الشرقي للحلف، وتشترك بحدود مباشرة مع روسيا، الأمر الذي جعل أمنها مرتبطاً بصورة وثيقة بمنظومة الدفاع الجماعي, ومن هنا لم تعد المواجهة في بحر البلطيق محصورة في القطع البحرية والقواعد العسكرية، بل امتدت إلى الخطاب السياسي والأمني، حيث أصبحت التصريحات والتحذيرات والرسائل غير المباشرة كانت جزء من أدوات الردع المتبادل.

في هذا السياق، برزت التصريحات الإستونية تجاه روسيا بوصفها نموذجاً لتحول الخطاب الأمني إلى أداة لإظهار الجاهزية والقدرة على المواجهة فقد ارتبط اسم وزير الدفاع الإستوني السابق مارتن هيريم بتصريحات تتعلق بإمكانية توجيه ضربة استباقية إلى روسيا في حال تعرض بلاده لتهديد مباشر، وبغض النظر عن حدة التصريحات، فإن أهميتها تكمن في وظيفتها السياسية والأمنية، والمتمثلة في إظهار الثقة بالقدرة الدفاعية والتأكيد على الاستعداد لمواجهة أي تهديد محتمل،

ازاء ذلك جاء الخطاب الروسي تجاه هذه التصريحات بلغة مختلفة، اتسمت في بعض جوانبها بالسخرية، بما يعكس محاولة للتقليل من القيمة السياسية والعسكرية للخطاب الإستوني وتحويل النقاش إلى رسالة ردع سياسية وإعلامية، وقد ظهر ذلك بصورة لافتة في 25 أيلول عام 2026، عندما علق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التصريحات المتعلقة بالاستعداد لمواجهة روسيا، مستخدماً لغة ساخرة، ومشيراً إلى الفارق بين عدد سكان إستونيا وحجم القوات المسلحة الروسية،

وتكشف هذه المقارنة عن جانب مهم من طبيعة الخطاب الردعي؛ إذ لا تقتصر الرسالة على إبراز التفوق العسكري، وإنما تتضمن محاولة للتأثير في تقدير الخصم لقدراته وقدرات الطرف المقابل وبذلك تتحول الأرقام إلى أداة خطابية لإعادة رسم صورة ميزان القوة، بينما تصبح السخرية وسيلة لتقويض الخطاب المقابل والتشكيك في قدرته على ترجمة التهديدات إلى فعل عسكري.

بحر البلطيق من المجال الجغرافي إلى المجال الأمني

أصبح بحر البلطيق إحدى نقاط الاحتكاك الرئيسية بين روسيا والمنظومة الأمنية الأوروبية، ولا سيما مع تصاعد التوتر بعد الحرب الروسية-الأوكرانية وانضمام فنلندا والسويد إلى الناتو, وقد أدى ذلك إلى زيادة ارتباط المنطقة بحسابات الردع والدفاع الجماعي
وفي ضوء هذه التحولات، أخذت إستونيا تنظر إلى أمن بحر البلطيق من زاوية أمنها الوطني المباشر؛ فموقعها الجغرافي القريب من روسيا يجعل أي تغير في ميزان القوى الإقليمي ذا تأثير مباشر في حساباتها الأمنية, ولذلك فإن مفهوم الردع لديها لا يرتبط فقط بحجم قواتها، وإنما بقدرتها على الاندماج في منظومة الدفاع الجماعي لحلف الناتو، بما يجعل أي اعتداء محتمل عليها مرتبطاً برد فعل جماعي من الحلفاء,
كما عززت إستونيا حضورها ضمن منظومة الوجود العسكري للناتو على الجناح الشرقي، من خلال استضافة قوات الحلف والمشاركة في مهام المراقبة والدفاع الجوي والتعاون السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية وبذلك أصبح الردع الإستوني قائمًا على قوة التحالف إلى جانب الإمكانات الوطنية.

كالينينغراد ومخاطر سوء التقدير

إذ تزداد حساسية البيئة الأمنية في بحر البلطيق؛ بسبب التجاور الجغرافي بين القوات الروسية وقوات دول الناتو، وتداخل عمليات المراقبة الجوية والبحرية مع النشاط العسكري والتجاري وفي مثل هذه البيئة، لا ترتبط المخاطر بالقوة العسكرية وحدها، بل بطريقة تفسير التحركات والتصريحات والرسائل المتبادلة،

وتتضح هذه الحساسية بصورة أكبر في كالينينغراد، وهي جيب روسي يقع بين بولندا وليتوانيا، ويتمتع بأهمية عسكرية واستراتيجية بالنسبة إلى موسكو. وقد ازدادت حساسية المنطقة مع ارتفاع مستوى التوتر بين روسيا والناتو، ولا سيما في ظل المخاوف الروسية من أي محاولة لعزلها أو الحد من قدرتها على الاتصال ببقية الأراضي الروسية.

وهنا تظهر مشكلة أوسع، تتمثل في أن كل طرف يفسر إجراءات الطرف الآخر من زاوية أمنه الخاص، الأمر الذي يزيد احتمالات سوء التقدير ومن ثم، يمكن أن تتحول بعض الرسائل السياسية أو التحركات العسكرية إلى أزمات أمنية إذا أسيء تفسيرها أو تجاوزت حدود الردع اللفظي.

السخرية السياسية ورسائل الردع:  

يمكن فهم السخرية السياسية في الخطاب الروسي باعتبارها جزءاً من الاتصال الاستراتيجي، خصوصاً عندما تأتي في بيئة تشهد توتراً عسكرياً وأمنياً متصاعداً فهي موجهة إلى الخصم بهدف التقليل من قيمة خطابه، وفي الوقت نفسه إلى الجمهور الداخلي لإظهار الثقة وعدم التأثر بالتصريحات المقابلة،

من هذا المنظور، فإن الردع لا يمارس بالسلاح وحده، بل يمكن للكلمة أن تؤدي دوراً في تحديد صورة القوة والضعف والتأثير في حسابات الخصم وعليه، لا ينبغي النظر إلى السخرية الروسية بوصفها حدثاً منفصلاً عن سياق الردع الأوسع، بل باعتبارها جزءاً من سجال سياسي واستراتيجي حول القوة والتهديد والقدرة على الردع.

في المقابل، تؤكد إستونيا أن صغر حجم الدولة لا يعني ضعف قدرتها على الدفاع عن نفسها ما دامت جزءاً من تحالف عسكري يوفر لها مظلة أمنية جماعية، وهنا يظهر الاختلاف بوضوح؛ فروسيا تركز على الفارق في القدرات العسكرية، بينما تركز إستونيا على قوة التحالف والردع الجماعي.

في السياق التاريخي، فإن التوتر بين روسيا وإستونيا لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا عابراً، بل يمثل انعكاساً لتداخل المصالح السياسية والأمنية والاستراتيجية وإعادة تشكيل موازين القوى في أوروبا،

ويكشف بحر البلطيق عن أن البيئة الأمنية الأوروبية لم تعد تُدار من خلال القوة العسكرية وحدها، وإنما عبر منظومة متداخلة من الخطاب السياسي والردع العسكري والحرب الهجينة والضغط الإعلامي والتحالفات الدولية. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن تتحول التصريحات إلى تهديدات، والتهديدات إلى إجراءات عسكرية، فتضيق المسافة بين الردع والتصعيد
ومن هنا تبرز أهمية التاريخ المعاصر في فهم التحولات الراهنة؛ فالأحداث لا تتحرك منفصلة عن سياقاتها، وإنما تتراكم وتتفاعل لتعيد تشكيل موازين القوة والتحالفات وأنماط التهديد, ولذلك فإن التحولات الجارية في شمال أوروبا لا تعني بالضرورة أن الحرب أصبحت حتمية، بقدر ما تشير إلى دخول الأمن الأوروبي مرحلة جديدة من إعادة بناء القدرات والتحالفات والاستراتيجيات في ظل نظام دولي متغير.