باحثة في التراث والآثار
تكشفُ تسميةُ العملية العسكرية بـ«زئير الأسد» عن استدعاءٍ رمزيٍّ متجذّر في المخزون التراثي التوراتي، حيث يحيل «الأسد» إلى رمز «أسد يهوذا» بوصفه علامةً على السيادة والاصطفاء في السردية العبرية. ويتعزّز هذا البعد الديني مع تزامن الحدث مع عيد المساخر (بوريم)، الذي يحيي – وفق رواية سفر أستير – ذكرى نجاة اليهود من تهديدٍ في عهد الإمبراطورية الفارسية قبل نحو 2500 عام. إن استدعاء هذه الذاكرة التاريخية في لحظة إعلان عملية عسكرية تستهدف إيران يضفي على التوقيت كثافة رمزية لا يمكن فصلها عن البنية العقائدية للصراع.
ويتقاطع هذا التزامن كذلك مع العاشر من رمضان، بما يحمله من دلالة في الذاكرة العربية لحرب عام 1973، فتتراكم الرموز الدينية والتاريخية في لحظة سياسية واحدة. إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق العملية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، وتوجيه الشكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعكس تداخلاً بين القرار السياسي والسردية الدينية المؤطِّرة له، خاصة مع توصيف المواجهة بأنها ردٌّ على «تهديد وجودي». كما أن مخاطبة مكوّنات الداخل الإيراني والدعوة إلى «تحرير إيران» تُضفي على الفعل العسكري بعداً خلاصِياً يستحضر أنماطاً من الخطاب الديني في السياسة المعاصرة.
وفي سياق أوسع، يُقرأ هذا التحرك ضمن الرؤية الأيديولوجية المرتبطة بمخيال «إسرائيل الكبرى»، بوصفه اطاراً يتجاوز الحدود السياسية الراهنة إلى تصوّرٍ توراتي-تاريخي أوسع. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السفير الأميركي مايك هاكابي التي أشار فيها إلى ما اعتبره «أحقية» إسرائيل في السيطرة على أراضٍ تعود لدولٍ عربية، وهو طرحٌ يعكس توظيفاً مباشراً للمرجعية الدينية في تبرير مطالب جيوسياسية معاصرة. إن هذا الخطاب، الذي يمزج بين العقيدة والسيادة، يرسّخ القراءة القائلة بأن الصراع لا يُدار فقط بمنطق المصالح الاستراتيجية، بل يُعاد إنتاجه داخل أفقٍ لاهوتي يُضفي عليه مشروعية رمزية.
كما أن انطلاق الضربة العسكرية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بالتزامن مع عيد المساخر، في وقت كانت فيه مؤشرات تفاوضية تتحدث عن تقدّمٍ في مسار التفاهمات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، يعمّق التساؤل حول أولوية الخيار العسكري على المسار الدبلوماسي، ويعكس انتقالاً من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الحسم الرمزي.
وإذا ما أُعلنت الحرب بوصفها حربا دينية، فإن المجال السياسي يضيق إلى حدّ الاختناق. فالحرب ذات الإطار الديني لا تُعرِّف خصمها باعتباره طرفاً تفاوضياً، بل باعتباره نقيضاً عقائدياً؛ ولا ترى في الأرض موضوع تسوية، بل مجال تحقيق لوعدٍ أو تأويلٍ مقدّس. عند هذه النقطة، تتحوّل السياسة من فنّ إدارة “الممكن” إلى خطاب خلاصٍ مطلق، وتغدو التسويات ضرباً من التنازل عن «حقيقة» مُتعالية. إن أخطر ما في تأطير الصراع دينياً أنه ينزع عنه طبيعته القابلة للتفاوض، ويُدخله في أفق صِفريٍّ مغلق، حيث تُستبدل أدوات الدبلوماسية بلغة الاصطفاء والقدر، ويغدو الحل السياسي، لا مستبعدا فحسب، بل غير قابلٍ للتصوّر داخل البنية الخطابية ذاتها.






