السياسي -متابعات
شهدت أسعار الكاكاو في البورصات العالمية تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 10% لتستقر عند أدنى مستوياتها منذ عامين ونصف العام، ويأتي هذا الانكسار السعري مدفوعاً بـ “تخمة” مفاجئة في المخزونات العالمية بالتزامن مع انكماش ملحوظ في معدلات الطلب. ويرى محللون أن هذا الهبوط يضع الاقتصادات المعتمدة على المحصول، لا سيما في غرب أفريقيا، أمام تحديات صعبة، بينما يفتح الباب للتساؤلات حول مدى انعكاس ذلك على أسعار منتجات الشوكولاتة النهائية التي وصلت لأرقام قياسية العام الماضي.
وسجلت العقود الآجلة للكاكاو في بورصة لندن انخفاضاً إلى نحو 2234 جنيهاً إسترلينياً للطن، وهو أدنى مستوى منذ منتصف عام 2023، فيما تراجعت العقود في نيويورك إلى 3189 دولاراً للطن قبل أن تقلص جزءاً من خسائرها، لكنها بقيت منخفضة بشكل ملحوظ، في مؤشر على استمرار الضغوط على السوق.
ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه المخزونات غير المبيعة، خاصة في ساحل العاج وغانا، اللتين تنتجان أكثر من نصف الكاكاو العالمي، إذ أفاد متعاملون بأن المستودعات امتلأت بحبوب الكاكاو، مع وجود شاحنات تنتظر التفريغ بسبب ضعف الصادرات وتراجع المشترين.
كما أظهرت بيانات دولية ارتفاع المخزونات العالمية بنسبة 4.2% على أساس سنوي، إلى نحو 1.1 مليون طن، فيما ارتفعت المخزونات الخاضعة لمراقبة البورصات إلى أعلى مستوياتها في خمسة أشهر، ما زاد من الضغوط على الأسعار عالمياً.
تراجع بيع القهوة
وتزامن ذلك مع تباطؤ الطلب العالمي على الشوكولاتة، حيث سجلت شركة “باري كاليبو”، أكبر منتج للشوكولاتة في العالم، انخفاضاً بنسبة 22% في حجم المبيعات، فيما تراجعت عمليات طحن الكاكاو في أوروبا بنسبة 8.3%، وهو أدنى مستوى منذ 12 عاماً.

وفي محاولة لمواجهة الأزمة، خفضت غانا، ثاني أكبر منتج للكاكاو في العالم، السعر الرسمي المدفوع للمزارعين بنسبة 28.6%، بهدف إعادة جذب المشترين وتحفيز المبيعات، في وقت تدرس فيه ساحل العاج اتخاذ خطوة مماثلة، ما ساهم في زيادة عمليات البيع ودفع الأسعار إلى مزيد من الانخفاض، ويرى محللون اقتصاديون أن ارتفاع الأسعار الرسمية مقارنة بالأسعار العالمية دفع المشترين إلى التراجع، ما أدى إلى تراكم المخزونات وتفاقم الأزمة.
وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن السوق يتجه نحو تسجيل فائض عالمي في الكاكاو، حيث توقعت شركة “ستون إكس” فائضاً بنحو 287 ألف طن خلال موسم 2025/2026، في حين رفعت التوقعات بزيادة الإنتاج نتيجة تحسن الظروف المناخية في غرب أفريقيا، كما ساهمت زيادة صادرات دول أخرى مثل نيجيريا، التي ارتفعت شحناتها بنسبة 17%، في تعزيز المعروض العالمي.
التداعيات
ويثير انهيار الأسعار مخاوف بشأن دخل ملايين المزارعين في أفريقيا، الذين يعتمدون بشكل أساسي على زراعة الكاكاو، في وقت قد يستفيد فيه مصنعو الشوكولاتة من انخفاض التكاليف بعد سنوات من الأسعار المرتفعة، إذ يرى محللون أن استمرار التراجع قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد، وتراجع الاستثمارات في القطاع، ما قد يخلق تقلبات جديدة في الأسعار مستقبلًا.

ورغم أن انخفاض الأسعار قد ينعش الطلب تدريجياً، فإن حالة عدم اليقين لا تزال تسيطر على السوق، في ظل تقلبات الطلب العالمي، والسياسات الحكومية، وتغيرات الإنتاج، ما يجعل سوق الكاكاو أمام مرحلة حساسة قد تعيد رسم توازناته خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن سوق الكاكاو، الذي شهد سابقاً ارتفاعات قياسية بسبب نقص الإمدادات، يواجه الآن تحولًا معاكساً، مع دخول مرحلة من الفائض وضعف الطلب، ما يعكس الطبيعة المتقلبة لأسواق السلع العالمية.





