د. صالح الشقباوي
تأتي زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» إلى تركيا في توقيت سياسي بالغ الحساسية، الأمر الذي يجعلها تتجاوز إطار الزيارة الدبلوماسية التقليدية، لتبدو وكأنها جزء من حركة سياسية أوسع تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، وبخاصة مستقبل قطاع غزة وما يسمى بـ«اليوم التالي» للحرب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تحمل زيارة أبو مازن إلى أنقرة رسائل فلسطينية تتعلق بالمرحلة المقبلة، وهل يمكن أن تكون استباقاً للقاءات أو الاتصالات المرتقبة بين حركة حماس وجاريد كوشنر؟
ماذا يحمل أبو مازن إلى تركيا؟
من الصعب معرفة الملفات التي يحملها الرئيس الفلسطيني في جعبته بصورة نهائية قبل صدور المواقف الرسمية، لكن يمكن قراءة الزيارة من خلال مجموعة من الملفات المتداخلة: مستقبل غزة، إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، شكل الإدارة في القطاع، السلاح، إعادة الإعمار، ومستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية ودورها في المرحلة القادمة.
وهنا تبرز أهمية تركيا، التي حافظت خلال السنوات الماضية على علاقة مع مختلف مكونات المشهد الفلسطيني، ولم تغلق أبوابها أمام أي طرف فلسطيني رئيسي. هذه المسافة السياسية من مختلف الفصائل تمنح أنقرة قدرة على لعب دور الوسيط أو الجسر، خصوصاً في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي.
غزة و«اليوم التالي»… السؤال الأصعب
يبقى السؤال المركزي: من سيدير غزة بعد انتهاء الحرب؟
هل تعود السلطة الوطنية الفلسطينية إلى القطاع؟ وهل تصبح غزة مجدداً جزءاً من منظومة سياسية وإدارية فلسطينية واحدة، بحيث تكون الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة مكونات الإقليم الفلسطيني الواحد؟
من المنظور السياسي الفلسطيني، لا ينبغي التعامل مع غزة باعتبارها كياناً منفصلاً عن الدولة الفلسطينية. فالقطاع جزء من الأراضي الفلسطينية، ومن ثم فإن إعادة توحيد الإدارة والولاية السياسية والمؤسساتية يجب أن تكون هدفاً وطنياً أساسياً.
وهنا تصبح عودة السلطة إلى غزة ليست مجرد مسألة إدارية، بل خطوة باتجاه إعادة بناء وحدة النظام السياسي والجغرافي الفلسطيني.
هل حماس جادة في إنهاء حكمها لغزة؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية.
المؤشرات السياسية الأخيرة يمكن أن تُقرأ على أن حركة حماس باتت أكثر استعداداً لمناقشة ترتيبات جديدة تتعلق بإدارة القطاع وسلاحها، خصوصاً إذا توفرت ضمانات سياسية وأمنية حقيقية.
لكن الفرق كبير بين الإعلان السياسي وبين التنفيذ على الأرض.
فالتخلي عن حكم غزة يعني عملياً انتقال الحركة من موقع القوة الحاكمة في القطاع إلى موقع الفصيل السياسي داخل النظام الوطني الفلسطيني. أما مسألة السلاح فهي أكثر تعقيداً، لأنها ترتبط بمستقبل العقيدة الأمنية الفلسطينية كلها.
إذا كانت حماس جادة فعلاً في إنهاء حكمها المنفرد لغزة، فإن الخطوة الطبيعية التالية يجب أن تكون الاتفاق على مرجعية وطنية واحدة، وسلطة واحدة، وقانون واحد، وأجهزة أمنية واحدة، ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني.
ماذا يعني لقاء حماس مع كوشنر؟
إن الحديث عن لقاء حماس مع جاريد كوشنر لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي كله.
فواشنطن تريد معرفة ما إذا كانت حماس مستعدة للانتقال من مرحلة المقاومة المسلحة والحكم المباشر إلى مرحلة سياسية جديدة، بينما تريد حماس ضمانات تتعلق بمستقبل غزة وأمنها وإعادة إعمارها ومستقبلها السياسي.
ومن هنا يصبح السؤال: هل تقدم حماس تنازلاً مؤقتاً أم أنها تتجه إلى تحول استراتيجي؟
والحقيقة أن الإجابة ستظهر عندما تتحول المواقف إلى خطوات عملية: من يملك السلاح؟ من يدير المعابر؟ من يدير الأمن؟ من يتولى إعادة الإعمار؟ ومن يملك القرار السياسي في غزة؟
السلاح: لمن يُسلَّم؟
إذا وصلت المفاوضات إلى مرحلة التخلي عن السلاح الثقيل وتجميع السلاح، فإن السؤال الفلسطيني الذي لا يمكن تجاهله هو: من تكون إليه المرجعية؟
بالنسبة لي، لا ينبغي أن يكون الحل مجرد تسليم سلاح من فصيل إلى جهة إدارية مؤقتة، بل يجب أن يكون جزءاً من إعادة بناء الشرعية الوطنية الفلسطينية الواحدة، وفي إطار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية.
فالسلاح، في الدولة، لا يمكن أن يكون موزعاً بين مراكز قوى متعددة. الدولة الواحدة تحتاج إلى مرجعية أمنية واحدة، وقرار سياسي واحد.
عودة السلطة إلى غزة: الرد الاستراتيجي على مشروع الاستيطان
إن عودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى قطاع غزة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد عودة إدارية أو استعادة لمؤسسات فقدت سيطرتها على القطاع، بل باعتبارها رداً فلسطينياً استراتيجياً ومباشراً على مشروع الاستيطان والضم الذي يتوسع في الضفة الغربية.
ففي الوقت الذي يعمل فيه المستوطنون على الأرض على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة تحول دون قيام الدولة الفلسطينية، تأتي عودة السلطة إلى غزة لتقول إن الجغرافيا الفلسطينية لا يمكن اختزالها في كانتونات منفصلة، وإن الدولة الفلسطينية ما زالت حاضرة في الوعي والواقع السياسي.
إن توحيد غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية تحت مرجعية وطنية فلسطينية واحدة يعيد إنتاج فكرة الدولة الفلسطينية من جديد، ويمنع تحويل الانقسام الفلسطيني إلى أداة لإلغاء وحدة الأرض والشعب.
والأهم من ذلك أن هذه العودة تعيد الدولة الفلسطينية إلى موقعها في المخيال الفلسطيني والعربي والدولي، بل وحتى في المخيال الإسرائيلي؛ لأن الدولة التي يجري الحديث عنها في المحافل الدولية لا تعود فكرة مجردة أو مشروعاً مؤجلاً، وإنما تصبح كياناً سياسياً وجغرافياً متصلاً يمتلك مؤسساته ومرجعيته وحقه في ممارسة ولايته على أرضه.
ومن هنا فإن عودة السلطة إلى غزة، إذا تمت في إطار وطني جامع، يمكن أن تكون واحدة من أهم الخطوات الفلسطينية لإعادة تعريف الصراع: من صراع على إدارة قطاع محاصر إلى صراع سياسي على تجسيد الدولة الفلسطينية القائمة على وحدة الأرض والشعب والقرار الوطني.
وهذه هي المفارقة التاريخية: فبينما يحاول الاستيطان أن يبتلع الأرض الفلسطينية قطعة قطعة، يمكن لوحدة غزة والضفة والقدس أن تعيد تركيب صورة فلسطين في الوعي السياسي الدولي باعتبارها وطناً واحداً ودولة واحدة، لا مجموعة جزر جغرافية وسياسية منفصلة.
ولهذا فإن عودة السلطة إلى غزة ليست تراجعاً أمام أحد، ولا انتصاراً لفصيل على فصيل؛ إنها، إذا أحسن توظيفها وطنياً، استعادة لفكرة الدولة الفلسطينية ذاتها.
لماذا أبو مازن؟
إن التخلي الرسمي والمباشر عن حكم غزة، إذا قررت حماس الوصول إليه، يجب أن يتم ضمن الإطار الشرعي الفلسطيني، وأن يُسلَّم إلى الرئيس محمود عباس أبو مازن، باعتباره رئيس دولة فلسطين ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، والمرجعية الرسمية التي تمثل الشرعية الفلسطينية.
وهنا أقول بوضوح: أنا لا أفضل أن يتم تسليم قطاع غزة إلى شخص أو لجنة أو مسؤول بعينه، أياً كان اسمه، وإنما إلى الشرعية الفلسطينية ممثلة بمؤسساتها ورئيسها.
ولا ينبغي أن تتحول قضية بحجم غزة إلى مسألة أشخاص؛ لأن غزة ليست ملكاً لفصيل، كما أنها ليست ملكاً لفرد، وإنما هي جزء من الوطن والدولة الفلسطينية.
إن انتقال إدارة غزة يجب أن يكون انتقالاً من الانقسام إلى الشرعية، ومن تعدد مراكز القرار إلى وحدة القرار الوطني.
تركيا بين أبو مازن وحماس
من هنا يمكن فهم أهمية تركيا في هذه اللحظة.
أنقرة تمتلك قنوات مع أطراف فلسطينية متعددة، وهو ما يؤهلها للمساهمة في تقريب وجهات النظر، وربما في توفير مساحة سياسية للانتقال من مرحلة الصراع الداخلي إلى مرحلة إعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني.
وقد يكون لقاء أبو مازن في تركيا رسالة إلى جميع الأطراف بأن المرحلة المقبلة يجب ألا تنتج كياناً جديداً في غزة، بل أن تعيد غزة إلى الإطار الفلسطيني الجامع.
الخلاصة: هل نحن أمام لحظة فلسطينية جديدة؟
زيارة أبو مازن إلى تركيا في هذا التوقيت تستحق قراءة سياسية عميقة، لأنها تأتي بينما تتحرك ملفات غزة والسلاح وإعادة الإعمار و«اليوم التالي» بسرعة كبيرة.
وإذا كانت حماس جادة فعلاً في إنهاء حكمها المنفرد لغزة، والتخلي عن السلاح الثقيل، والانتقال إلى العمل السياسي، فإن ذلك يمكن أن يشكل تحولاً تاريخياً في مسار القضية الفلسطينية.
أما إذا كانت هناك ترتيبات دولية وإقليمية جديدة يجري إعدادها لغزة، فإن المطلوب فلسطينياً أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية حاضرة في قلب هذه الترتيبات، لا على هامشها.
فغزة ليست جزيرة سياسية منفصلة، وليست ورقة يتقاسمها الآخرون. إنها الجناح الثالث من أجنحة الدولة الفلسطينية: الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة.
والمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة إنهاء الانقسام، لا إعادة إنتاجه بصورة جديدة؛ ومرحلة توحيد القرار، لا توزيع مراكز النفوذ.
وإذا كان التخلي عن حكم غزة وتسليم السلاح جزءاً من تحول حقيقي داخل حماس، فإن المطلوب أن يتحول هذا القرار إلى مصالحة وطنية تاريخية، لا إلى صفقة مؤقتة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستتخلى حماس عن حكم غزة؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل نحن أمام ولادة نظام سياسي فلسطيني جديد، تعود فيه غزة إلى الشرعية الوطنية الفلسطينية، وتنتقل حماس من سلطة حاكمة إلى قوة سياسية، وتصبح منظمة التحرير والسلطة الوطنية الإطار الجامع لكل الفلسطينيين؟
إذا كان الجواب نعم، فإن زيارة أبو مازن إلى تركيا قد تكون واحدة من مقدمات هذه اللحظة التاريخية.
إنها لحظة يمكن أن تستعيد فيها فلسطين وحدتها السياسية والجغرافية، وأن تعود الدولة الفلسطينية من جديد إلى مركز الوعي الفلسطيني والعربي والدولي، في مواجهة مشروع الاستيطان الذي يحاول اقتلاعها من المكان والذاكرة معاً.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2