زيارة ترامب إلى الصين: محاولة لإدارة الأزمات لا لإنهاء الصراعات

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الصين والتي استمرت ثلاثة ايام لم تأتِ في سياق طبيعي أو مستقر. فالعالم يعيش ازمات مركبة معظمها من صناعة الادارة الامريكية، حرب مفتوحة على إيران، قلق متزايد بشأن أمن الطاقة العالمي بعد إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد دائم في الحساسية الاستراتيجية بين واشنطن وبكين حول رغبات تايوان في الاستقلال، خطة سلام مُعلقة في قطاع غزة، حرب مستمرة على لبنان ومفاوضات بلا نتائج، مواقف اوروبية متباينة عن الموقف الامريكي في إيران، وحرب روسيا واوكرانيا التي لا تتوقف. لهذه الاسباب، يصعب اعتبار الزيارة مجرد لقاء ثنائي تقليدي بين قوتين متنافستين. ما جرى في بكين كان أقرب إلى محاولة ترامبية لإدارة الازمات المتراكمة بمساعدة صديقه شي.

الملف الإيراني كان واحداً من بين الملفات الحاضرة على جدول الاعمال، حتى وإن لم يرد بصورة مباشرة في البيانات الرسمية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن الصين لاعباً مركزياً في هذا الملف، من ناحية، تمثل بكين الرئة الاقتصادية الأكثر أهمية لطهران في ظل العقوبات الاقتصادية الامريكية والغربية المفروضة عليها، ومن ناحية اخرى، امن وحرية الملاحة في مضيق هرمز الذي يعتبر من اهم شرايين الطاقة للاقتصاد الصيني بعد قطع سلاسل الامداد القادمة من فنزويلا اولوية قصوى لبكين. لذلك، كان من الواضح أن واشنطن ذهبت إلى بكين طمعاً ” في المساهمة بالتوسط لإنهاء الحرب مع إيران والعمل على إعادة فتح مضيق هرمز أمام شحنات النفط”. بحسب ترامب. بالإضافة الى ذلك، سعى ترامب إلى ضمان موقف صيني أقل دعماً لإيران لخفض التصعيد. بالمقابل، حرصت بكين على تثبيت معادلة تُبقي واشنطن أكثر حذرًا في ملف تايوان خلال المرحلة الحالية. الى جانب ضمان عدم عرقلة البحرية الامريكية لشحنات النفط عبر المضيق نحو بكين، لمنع انهيار منظومة التجارة العالمية بشكل كامل. بعبارة اخرى، صياغ الطرفان معادلة قائمة على نوع من إدارة التوازنات المؤقتة تحت ضغط الأزمات دون الوصول الى تسويات شاملة.

في هذا السياق، لا تنظر بكين إلى الأزمة مع إيران من زاوية سياسية فقط. بالنسبة للصين، أي اضطراب كبير في الخليج يعني تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد الصيني نفسه. فالصين تعتمد بصورة أساسية على واردات الطاقة القادمة من المنطقة وخاصة من إيران، وأي اهتزاز طويل في حركة الملاحة أو أسعار النفط سيترك أثراً ثقيلاً على اقتصادها الصاعد. عند هذه النقطة، برزت قضية مضيق هرمز باعتبارها نقطة التقاء مصالح نادراً ما يمكن العثور عليها بين الطرفين. بينما تنظر واشنطن إلى المضيق بوصفه ممراً استراتيجياً عالمياً يحظر على إيران اغلاقه، ترى بكين انه شرياناً اقتصادياً حيوياً لاستمرار دورة الإنتاج والتجارة. لهذا السبب، تبدو فكرة منع إيران من الذهاب نحو إغلاق كامل للمضيق واحدة من أهم القضايا التي يتفق عليها الطرفان.

وعلى الرغم من العثور على نقطة واحدة -على الاقل، تتقاطع عندها مصالحُ الطرفين في الشرق الاوسط، إلا ان الصورة لا تكتمل بين القوتين العظميين دون التوقف في محطة تايوان. بكين التي لا تخفي استيائها من استراتيجية الغموض الاستراتيجي في الموقف الرسمي الامريكي والواقع الذي تمارسه على الارض، إلا انها أدركت جيداً أن انشغال واشنطن بالحرب على إيران وتعثرها في عديد الملفات الاخرى، يمنحها فرصة كافية لإعادة تثبيت مواقفها المبدئية في شرق آسيا. على هذا النحو، استثمر الرئيس الصيني هذه الزيارة لإعادة طلاء الخطوط الحمراء لبلاده، والتأكيد مجدداً على رفض أي تحرك أمريكي يمكن تفسيره باعتباره دعماً لاستقلال جزيرة تايوان ومعارضة تمرير صفقات السلاح- صفقة متوقعة بقيمة 14 مليار دولار، ورفض اية محاولات امريكية لتغيير التوازن القائم في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي.

اللافت أن الرئيس شي استغل ازمات واشنطن في الشرق الاوسط واستحضر مصطلح “فخ ثوسيديدس” لتذكير ضيفه بمخاطر إندلاع صراع مدمر بين قوة صاعدة واخرى مهيمنة. بينما اتسم الخطاب الأمريكي بقدر ملموس من الحذر، وساده طابع المديح والامتنان على حفاوة الاستقبال، ولم تظهر واشنطن رغبة في فتح نقاط مواجهة إضافية مع الصين- امتنع ترامب عن الاجابة على اسئلة أحد الصحفيين المتعلق بفحوى محادثات الطرفين حول تايوان. وهذا يكشف جانباً مهماً عن طبيعة المرحلة القائمة وان لم يكن بشكل معلن: قبول امريكي بمبدأ التنافس الشديد، أفضل بكثير من الذهاب إلى صدام مباشر ستكون كلفته مرتفعة للغاية.

في الواقع، لم تفضي الزيارة “التاريخية” الى تحولات كبرى في المواقف ذات مغزى سياسي، باستثناء الحديث عن بعض الصفقات التجارية “الرائعة” التي تستهوي ترامب- 200 طائرة بوينج، فول الصويا، شراء النفط الامريكي، إتاحة المجال امام الشركات من كلا الطرفين للتعاون والاستثمار. فحالة عدم الثقة والخلافات البنيوية بين المتنافسين ما زالت سائدة، سواء في السياسة، الاقتصاد، التكنولوجيا، النفوذ وحتى شكل النظام الدولي القادم. ومع ذلك، يمكن القول ان الزيارة نجحت في تحقيق هدف أكثر تواضعاً، لكنه مهم: ضبط مؤشر التوتر ومنع الأزمات من الانفلات أكثر مما هي عليه.

تكشف زيارة ترامب عن تحول مهم في إعادة تشكيل موازين القوى على الساحة الدولية. من الاسكا الى بكين، لم تعد لقاءات القادة الكبار مختزلة في إطار قبول تفوق واشنطن المطلق وهيمنتها على قمة الهرم الدولي كما كان سائداً في العقود الاخيرة. فإدارة ترامب التي تقف على ارضية سياسية بالية باتت تدرك ان هناك دولاً متزايدة قادرة على تحدي الهيمنة الامريكية، وتمتلك من اوراق الضغط العابرة ما يمكنها من سحب البساط الاحمر من تحت اقدام قادة البيت الابيض. وأن هذه القوى لم تعد تكتفي بالتحركات الدبلوماسية التقليدية، بل تعتمد استراتيجيات متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد، التكنولوجيا، والتحالفات الإقليمية وحتى المواجهة العسكرية. في هذا السياق، تدرك بكين -كما أدركت موسكو، ان محاولة الابتعاد عن مناطق الاضطرابات والاكتفاء بالمراقبة لا يمكن تقييم مخاطرها برؤوس الاصابع، وأن لقاءات القمة لا تؤسس لبداية شراكة استراتيجية حقيقية تتقبل فيها واشنطن خسارة هيمنتها على العالم بسهولة، بقدر ما تمثل محاولات مؤقتة لتأجيل مواجهة قادمة لم تنضج ظروفها بعد.