جاري التحميل...

سامحيني يا فلسطين… لأنني أريد أن أكرهك.

بقلم شادي عياد

أريد أن أكرهك مرةً واحدة، فقط كي أستطيع أن أنام.

أريد أن أخلعك من قلبي كما تُخلع قطعة حديدٍ ساخنة من الجسد، وأن أقول لكِ: كفى… لقد أحرقتِني.

كفى أخبارًا.

كفى حواجز.

كفى احتلالًا.

كفى مستوطنين.

كفى فسادًا.

كفى خيانة.

كفى شهداء.

كفى أمهاتٍ يخبئن صور أبنائهن في صدورهن بدل أن يخبئن أبناءهن في أحضانهن.

كفى وطنًا كلما حاولنا أن نحبه أكثر، أعطانا سببًا جديدًا للبكاء.

أنا تعبت يا فلسطين.

تعبت من الذين يسرقون منكِ وأنتِ صامتة.

تعبت من الذين يخونونكِ ثم يتحدثون باسمك.

تعبت من الذين يرفعون رايتك بأيدٍ ملوثة، ثم يطلبون منا أن نصفق لهم لأنهم “وطنيون”.

تعبت من الفاسد الذي يتحدث عن الشرف.

ومن الانتهازي الذي يتحدث عن التضحية.

ومن الخائن الذي يزايد في الوطنية.

ومن الذي ينهش لحم الوطن ثم يخرج علينا خطيبًا في حب الوطن.

تعبت من الاحتلال الذي يريد اقتلاعنا من الأرض، ومن أولئك الذين يجعلوننا نكره بعضنا ونحن ما زلنا واقفين عليها.

تعبت من الحاجز الذي يوقف جسد الفلسطيني، ومن الظلم الذي يوقف روحه.

تعبت من كل يدٍ تجعل فلسطين أصغر مما هي.

فلسطين ليست حاجزًا.

وليست فاسدًا.

وليست خائنًا.

وليست مستوطنًا.

وليست بندقيةً موجهة إلى صدر فلسطيني.

وليست منصبًا يتصارع عليه المتسلقون الكلاب.

وليست ورقةً في جيب أحد.

فلسطين أكبر من كل هؤلاء.

ولهذا، سامحيني يا فلسطين…

أنا لا أريد أن أكرهك أنتِ.

أنا أريد أن أكره كل ما جعل حبكِ عذابًا.

أريد أن أكره الفساد الذي سرق من المواطن ثقته.

أريد أن أكره الخيانة التي جعلت الشريف يشك حتى في ظله.

أريد أن أكره الاحتلال الذي حوّل الطريق إلى امتحان كرامة كل صباح.

أريد أن أكره الاستيطان الذي يمد يده إلى الأرض وكأنه يستطيع أن يمحو ذاكرة شعب.

أريد أن أكره كل من يطلب من الفلسطيني أن يصمت عندما يُهان، وأن يبتسم عندما يُسرق، وأن يصفق عندما يرى الوطن يُستهلك من الأقزام أمام عينيه.

وأريد قبل كل شيء، أن أكره هذا العجز الذي يجعل الإنسان يرى كل ذلك ثم يعود إلى بيته وفي صدره نارٌ لا يعرف أين يضعها.

لقد صار الوطن عندي سيفًا من جهتين.

من جهةٍ يضربني الاحتلال.

ومن جهةٍ يطعنني الذين كان يفترض أن يكونوا أكثر حرصًا عليه.

ومع ذلك…

كلما حاولت أن أقول: كفى، سأترك كل شيء وأعيش لنفسي…

يأتي وجه طفل فلسطيني فيكسر قراري.

تأتي أمٌّ تنتظر ابنها.

تأتي شجرة زيتون.

يأتي اسم قرية.

تأتي القدس.

يأتي البحر.

تأتي رائحة الأرض بعد المطر.

ويأتي ذلك الصوت القديم من أعماقنا، الصوت الذي لا أعرف من أين جاء ولا كيف بقي حيًا كل هذه السنوات:

هذه فلسطين.

فأعود.

أعود رغم التعب.

رغم الغضب.

رغم الخيبات.

رغم الذين حاولوا أن يجعلوا الوطن عبئًا على أبنائه.

أعود لأنني اكتشفت أنني لا أستطيع أن أخرج فلسطين من قلبي.

لكنني أستطيع أن أرفض أن يُدفن قلبي تحت ركامها.

أستطيع أن أغضب، و سأغضب.

أن أصرخ، وسأصرخ.

أن أقول للفاسد: أنت لست الوطن.

وللخائن: أنت لست الوطن.

وللمستوطن: أنت لست صاحب الأرض.

وللحاجز: لن تصبح أنت حدود فلسطين.

ولكل من يظن أن الفلسطيني إذا تعب سيكره وطنه:

أخطأت.

الفلسطيني لا يكره فلسطين حين يتعب.

إنما يكره كل شيءٍ جعل فلسطين موجعة إلى هذا الحد.

ولذلك، يا فلسطين…

سامحيني على الجملة الأولى.

لم أكن أريد أن أكرهك.

كنت أريد فقط أن أتوقف عن النزف.

لكنني فهمت أخيرًا:

المشكلة ليست أنني أحبك أكثر مما ينبغي…
المشكلة أنني أحبك في زمنٍ قاسٍ، وبين أناسٍ كثيرين لم يتعلموا بعد كيف يحبون وطنًا.

فابقَي في قلبي.

لكن ارحميه قليلًا.

فقد حملكِ طويلًا…

وما زال يحمل.

بقلم شادي عياد