في قلب العواصف التي تهز المنطقة، يظهر مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضًا لكنه في جوهره يحمل ملامح خريطة جيوسياسية جديدة تعيد إلى الأذهان اتفاقية سايكس بيكو الأولى التي مزقت جسد الأمة العربية قبل أكثر من قرن، فاليوم يتبدى في الأفق سايكس بيكو جديد لا يُصاغ في العواصم الأوروبية كما حدث عام 1916 بل يُحاك بأدوات إقليمية تتقاطع فيها مصالح الإخوان المسلمين مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عند نقطة خطيرة هي التهجير، إذ يرى الإخوان في تهجير الفلسطينيين مدخلًا لتوسيع نفوذهم وتثبيت موطئ قدمهم في الداخل المصري باعتباره المسرح المركزي لصراعهم مع الدولة الوطنية، بينما تنظر إسرائيل إلى هذا التهجير بوصفه مرحلة ضرورية للزحف نحو سيناء وجعلها منطقة أمنية عازلة تخدم استراتيجيتها الكبرى في الاقتراب من النيل والسيطرة على منابع الحياة في مصر، ومع ذلك فإن ما يجمع الطرفين أعمق من مجرد مصالح عابرة، إنه مشروع مشترك يلتقي عند إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا لصالح هندسة سياسية تخدم الهيمنة على المنطقة وإضعاف الدول الوطنية القائمة، فالإخوان الذين فشلوا في تثبيت حكمهم بعد ثورة 2011 أدركوا أن بوابتهم الوحيدة للعودة تمر عبر توظيف المأساة الفلسطينية وتقديم أنفسهم كحماة للمظلومين لكن على نحو براغماتي يجعل من مصر أرض استقبال بديلة، وهو ما يعني عمليًا تغيير التوازنات السكانية وإحداث خلل في البنية الاجتماعية والسياسية يعيد إليهم زمام المبادرة، أما إسرائيل فتقرأ هذا السيناريو باعتباره فرصة ذهبية لتفريغ غزة من سكانها ودفعهم إلى سيناء وتحويل القضية الفلسطينية من صراع وجودي على الأرض إلى ملف إنساني يذوب في مخيمات النزوح والفوضى الديموغرافية، وبذلك تنجز إسرائيل نصف مشروعها الاستراتيجي دون رصاصة واحدة إذ تتخلص من عبء غزة وتشق الطريق نحو النيل، وبينما يتغنى الإخوان بخطاب ديني وشعارات ثورية فإنهم في العمق يفتحون الباب لسايكس بيكو جديد يتجاوز حدود فلسطين ومصر ليطال المنطقة كلها عبر إعادة رسم الحدود بالسكان لا بالخرائط فقط، فالتهجير هنا ليس كارثة إنسانية بقدر ما هو أداة لإعادة التوزيع السكاني بما يخدم أجندات القوى الصاعدة على حساب الدول الراسخة، وفي ظل صمت عربي رسمي وتواطؤ قوى دولية تبحث عن استقرار زائف ولو على حساب الحقيقة التاريخية، يبقى السؤال المقلق: هل نحن أمام لحظة إعادة إنتاج لسايكس بيكو لكن بوجوه محلية هذه المرة؟ وهل ستسمح مصر أن تتحول سيناء إلى ورقة تفاوض بيد الإخوان وإسرائيل معًا؟ أم أن التاريخ سيعيد نفسه لكن بثوب أكثر قسوة ودموية؟ إن المؤشرات كلها تدل على أننا أمام مشروع خطير يستهدف كسر العمود الفقري للأمن القومي العربي من بوابة فلسطين وسيناء، مشروع يجعل من التهجير بداية لا نهاية، ومن الخراب وسيلة لا نتيجة، ومن التحالفات الملتبسة قوة دافعة نحو تقسيم جديد قد لا يقف عند حدود مصر وغزة بل قد يتسع ليشمل خريطة كاملة للمنطقة ترسمها أيادٍ غريبة بألوان الخيانة والتواطؤ.
