«سرير المشتاق» لفاروق وادي رواية تقع على متن 263 صفحة من القطع المتوسط، وهي من اصدارات المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ودار الفارس للنشر والتوزيع في عمان الاردن بطبعتها الاولى سنة 2019.
تدور الرواية حول شخصية مثقف فلسطيني يعيش في المنفى، تتشظّى حياته بين حاضر بارد في مدينة بعيدة، وماضٍ حارٍّ يلحّ عليه في هيئة ذكريات وأحلام. لا تُبنى الرواية على حبكة تقليدية قائمة على تصاعد حدثي مباشر، بل على حركة داخلية، نفسية ووجدانية، تتقدم عبر الاسترجاع والتداعي.
يبدأ القاريء بالامساك بتلابيب الرواية من عتبة النص العنوان [سرير المشتاق] وما ان يقلب صفحات الرواية حتى يمسك بلبها [التيمة] فيقرا في صفحاتها:” كنتُ مخطوفًا أتأمّل الغوايتين معًا. كان يمكن للسّرير أن يكتفي بذاته لتأجيج المشاعر والرّغبات، دونما حاجة إلى غواية المرأة. فللسّرير نفسه سحره الخاص وجاذبيته التي لا تقاوم، وهو يُحرِّض على التأمل والنّوم وممارسة الحب، وربما على الجري والصّهيل فوق مساحته الشّاسعة، الفسيحة، وهيئته المثيرة.” وعللوة على ذلك فان القاريء وما ان يصل ص ١١١ حتى يكتشف سببا اخر لاسم الرواية [سرير المشتاق] ” قلت انني ربما اكتب ذات يوم رواية تحمل عنوانا شبيها يستثمر عنوان رواية غسان كنفاني ادور حول رحلة على الطريق ذاتها” ، ومع تقليب الصفحات ومنذ البداية وعند التحاق صاحبنا بقواعد الفدائيين يتخذ لنفسه اسما حركيا [غسان] وهذا ما يشي بعشق وارتباط لا حدود له بغسان النهج والقضية والمبدا والسلوك.
في البدء تقدّمتُ نحو الغرفة مأخوذًا بالسّرير. ربما حسِبَتْ المرأة أنني أتقدّم مدجّجًا بنواياي الخبيثة نحوها، مستجيبًا لجاذبيّة الغواية المتّّقدة التي تطلقها فتنة الأنثى الكامنة هناك، والتي تزعزع هياكل الذّكورة كلّها. لكنني، كنتُ أخطو مسلوبًا إلى الأمام كالسّائر في نومه، وربما حسبتْ أنني أتقدّم إليها بنيّة التحرُّش بها. وقد فاجأتني عندما أطلقت ضحكة مغناجة وهي تراني مستغرقًا في تأمُّل السّرير. كأنني كنتُ أتحرّش به، بكلّ ما أوتيَتْ أصابعي من قدرة على التعبير عن شبقٍ لا حدود له. أتحسّس خشبه المدهون بالأبيض الصّافي فأزدادُ ألقًا. أتلمّسه برؤوس أصابع مذهولة لشدّة النّعومة في ملمس الخشب، والذي ظلّ يبعث فيها خدرًا لذيذًا لا يُقاوم. أحتويه بعينين مأخوذتين بجمال لا يشبهه جمال».
بمشهد داخلي حميمي: الراوي في غرفته، حيث يتحول السرير إلى مركز رمزي للنص ومسرحا تدور عليه ومن حوله الاحداث. ومن هذا المكان السرير تبدأ الذاكرة عملها ومعه تبدأ الذكريات بالتداعي ومعها يبدا الكاتب بنسج خيوط الرواية غرزة غرزة ولا تكتمل الغرز الا باكتمال اخر فصول الرواية، كل ذلك تمكن منه الكاتب بلغة شاعرية جميلة ومنمقة .
السرير ليس مجرد قطعة أثاث، بل مساحة اعتراف وتأمل وذكريات وامال، ومسرح للأحلام والهواجس. يظهر إحساس عميق بالوحدة، ويبدأ الراوي باستعادة ملامح مدينة قديمة غادرها قسرًا. حيث العودة إلى الطفولة والمكان الأول وتتوالى المشاهد عبر الاسترجاع:
ذكريات الطفولة في الوطن. البيت الأول، الأزقة، المدرسة، وصوت الأم. لحظة الانكسار الأولى المرتبطة بالاقتلاع أو الرحيل والنكبة واللجوء ثم النهوض من تحت الركام والانتماء الى الفكر الماركسي واقتران الممارسة بالتطبيق من خلال التحاق بطل الرواية [غسان] بقواعد الفدائيين في معسكر يقع على اطراف مخيم البقعة. وفي المعسكر تكبر الاحلام وتشتعل الافكار ويحتد النقاش ويحدث الانقسام بين الجبهتين. وهذه المرحلة تكشف تشكّل وعي الشخصية/الشخصيات .
يدخل في السرد خطّ عاطفي ماجن يتمثل في علاقة حب عميقة، لكن هذه العلاقة لا تُقدَّم كقصة رومانسية تقليدية، بل كمرآة لفكرة الوطن المفقود والمغتصب.
فالمرأة في الرواية قد تُقرأ باعتبارها: حبيبة حقيقية من الماضي. أو رمزًا مكثفًا للأرض والحنين. تفشل العلاقة أو تبقى معلّقة او يتنازعها المعجبون والطامعون واللاهثون نحو اغراضهم ونزواتهم، مما يعمّق الإحساس بالمعنى المجازي بين ما يحدث للحبيبة [نهاية /نشوى] ومالات قضية فلسطين وتعدد فصولها ومحطاتها.
يتنقل السارد بين فضائين زمنيين؛ ماضي الدراسة الجامعية والقواعد والفدائين وهو الزمن الذي تسترجعه الذكريات والحب والحنين من خلال استنطاق السرير والسير خلف مالات السرير ومعرفة الايدي الجديدة التي تناقلته وتملكته وكيف آل اليها وكيف خرج منها في عرض درامي مشوق يخدم حبكة الرواية ومقاصدها الكامنة.
ينتقل السرد إلى الحاضر: حياة يومية رتيبة في المنفى.
شعور بالاقتلاع الثقافي والروحي. حوارات داخلية حول معنى الهوية والانتماء. حيث تظهر هنا أزمة المثقف: هل الكتابة تعوّض الفقد؟ هل الذاكرة تكفي لبناء وطن رمزي؟
لا يحدث “حدث كبير” بالمعنى الدرامي، بل تتصاعد المواجهة الداخلية بين: الرغبة في النسيان للاستمرار في الحياة. والتمسك بالذاكرة بوصفها فعل مقاومة. وهنا يتحوّل السرير مجددًا إلى فضاء اعتراف، حيث تتقاطع الحلم بالواقع، ويغدو المشتاق أسير شوقه ذاته.
في الخاتمة المصالحة الناقصة والتطابق بين مصائر الابطال والحكايات؛ حيث تنتهي الرواية بابواب مفتوحة على الامل ، فغسان المطلوب لمخابرات العبدلي يحاول جاهدا السفر لبيروت للدراسة ، والذي تمنعه المخابرات بدورها بحكم نشاطه اليساري؛ تستمر محاولات غسان للسفر لبيروت مغلفة برغبة جامحة لضرب عصفورين بحجر واحد؛ الالتحاق بصفوف المقاومة ، وللحاق بحبيبته ورفيقته وزميلته السابقة في الجامعة الاردنية نشوى/نهاية لاكمال مسيرته بالحب والثورة، وفي بيروت ينزل في شقة عند صديق ورفيق قديم [ادم] وزميله الاخر في الشقة [عطا] عله يمسك باول خيوط اللقاء بحبيبته نشوى فيقيم عند صديقه ادم ويلمح ذلك السرير الابيض في غرفة عطا، وهكذا تبدا خيوط الحكاية تدور حول السرير، والذي تدور به الدوائر الى ان يصل الى يد خادمة سيرلانكية تعمل لدى زوجة قائد فصيل في المقاومة، والتي ترفض زوجته ان يبقى السرير في بيته نظرا للاحلام والكوابيس التي انتابتها، فيتقرر اعطاءه للخادمة السيرلانكية، والتي ما ان تنام عليه ليلتها الاولى حتى تنتابها الاشواق والحنين لبلدها وزوجها واولادها في سيرلانكا ، ويشعلها الحنين والعودة لبلادها ومعها السرير، وعند هذه اللحظة يصل غسان بعد مشوار طويل من البحث عن مآلات السرير لاستعادته ومن خلال مراجعته لبياع الاثاث الذي اختص ببيع وشراء هذا السرير، ومع كل عملية بيع وشراء للسرير تتوالد الحكايات والايدي التي تحصلت على السرير، والاجساد التي نامت عليه، ومعه تفوح الحكايات من ذلك السرير وكلها تشترك بشيء جوهري واساسي؛ الا وهو مدى افتتان كل من راه فيه، وسبب هذا الافتتان والاقتران والارتباط وهو ما تبوح به صفحات الرواية تارة بالحديث عن الحنين وتارة عن المجون…
في الخاتمة وفي ص ٢٣٤ بالذات يتضح ان الرفيقة نهاية بان اسمها الحقيقي نشوى وهي التي يلاحقها غسان من اول صفحات الرواية، واما نهاية فهو اسمها بالتنظيم/ الاسم الحركي لها، وهي نفسها رفيقته داخل الخلية التي كان قد وشى بها زوجها ورفيقها بدر…
ومهما يكن فلم تنفصل نهاية/نشوى عن زوجها بدر بعد اعترافه على رفاقه في الخلية المسلحة، لكنها لم تسمح له بمسها حتى مماته… حيث باعت كل مقتنيات بيت الزوجية حتى لا يتبقى لها شيء من رائحته بعد وشايته عن الرفاق، باعت كل مايمت له بصلة بما في ذلك السرير مسرح الرواية الذي تتوالد منه الحكايات، باعته لنفس البائع الذي اشتروه منه بنصف الثمن..
ص ٢٣٨ يقول غسان : دخلت السجن وانا اقرب الى اليقين من ان زوجها هو الذي كان قد وشى بي وببقية الرفاق.
اعتز بالاسم الذي اخترته لمسيرة حياتي [غسان]، وانسى تماما اسمي المثبت على شهادة الميلاد[فاروق]… الاسم الذي اختاره لي والدي حبا واعجابا بالملك فاروق…
اتيت الى بيروت من اجل ان اكون في المدينة التي تعيش بها نشوى. انتميت الى خلية متطرفة لا لشيء ، سوى لان اجتماعاتها الاسبوعية كانت تتيح لي ان التقي بنشوى…ص ٢٣٩.
في النهاية ص ٢٥٢ يبحر السرير والخادمة السيرلانكية [كاستوري] عبر باخرة من ميناء بيروت باتجاه سيرلانكا حيث موطن الخادمة، او حيث موطن السرير الاصلي في الادغال القصية التي انتزع منها ذات يوم بعيد…فاقصي عن اصله عنوة … عن منبته وجذره البعيد، في جذوع الشجر العالي، الساكن في البرية التي هناك…
ويضيف:” وكنت ارى في عودة السرير الى موطنه باطية تعود متجذرة في ارضها، تنتصب في حقل شاسع يعج باشجار الزيتون”..ص ٢٥٤
العنوان يظل المفتاح الرمزي لفهم العمل: السرير مكان الراحة المفترضة، لكنه يتحول إلى مكان قلق وملاحقة واسئلة وبحث وانتظار دائم، في ارتباط وتطابق وثيق مع حكاية الوطن السليب والمغتصب






