لم يعد الحديث عن اهتزاز أو حتى سقوط ونهاية ما يُعرف بـ”محور المقاومة” مجرد تحليل سياسي، بل تحول إلى قناعة واسعة لدى كثير من المراقبين بأن هذا المحور يتفكك أمام أعين المنطقة، فبعد الضربات المتلاحقة التي طالت حلفاءه، والتغيرات الدراماتيكية في موازين القوى، بات السؤال أكثر حدة: هل بقي شيء من المحور؟ وإذا كان كذلك، فما الذي جنته غزة من انخراط حركة حماس في هذا المشروع الإقليمي؟
لسنوات طويلة، تم الترويج لفكرة محور تقوده إيران ويضم قوى إقليمية مثل حزب الله في لبنان والنظام السوري المنهار بقيادة بشار الأسد، وحماس في فلسطين، والحوثيون في اليمن، وبعض المليشيات الموالية لإيران في العراق، باعتباره جبهة موحدة في مواجهة إسرائيل، غير أن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذا البناء، سوريا خرجت من حرب مدمرة منهكة ومجزأة النفوذ وسقط نظامها، حزب الله دخل حرب كشفت هشاشته واختراق بنيته الداخلية، فيما يواجه ضغوطا غير مسبوقة داخليا وخارجيا، وحماس جعلت غزة تدفع ثمن رهاناتها الخاسرة في حرب استمرت عامين، فيما إيران نفسها الآن تتعرض لحرب أمريكية اسرائيلية مباشرة وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة.
دخول إسرائيل وأمريكا وربما أوروبا في مواجهة مفتوحة مع طهران الآن، والعقوبات الخانقة، والضربات التي طالت قيادات الصف الأول فيها، كلها مؤشرات على أن إيران لم تعد في موقع “الحامي القادر”، بل باتت منشغلة بالدفاع عن نفسها. وعندما يصل الداعم إلى مرحلة الانكفاء، فإن كل من راهن عليه يجد نفسه في العراء.
وبحسب مراقبون، فإن السؤال الأكثر إيلاما يتعلق بموقع حماس داخل هذا المشهد، فالحركة لم تكن مجرد متلق للدعم، بل كانت جزءا سياسيا وإعلاميا وعسكريا من هذا المحور، خطاباتها، تحالفاتها، تموضعها الاستراتيجي كلها ارتبطت بمشروع إقليمي أوسع من حدود غزة.
ويؤكد المراقبون أن هذا الخيار لم يكن انعكاسا لإرادة الشعب الفلسطيني في القطاع، بل كان خيار قيادة راهنت على قوة إقليمية اعتقدت أنها صاعدة، فإذا بها اليوم تتراجع تحت الضغط.
والحقيقة، هي أن قطاع غزة الذي عانى حصارا خانقا وحروبا مدمرة، لم يكن بحاجة إلى مزيد من الاصطفاف الحاد، بل إلى سياسة توازن تحميه من التحول إلى ساحة رسائل متبادلة بين طهران وتل أبيب. غير أن ما حدث هو العكس، فأصبحت غزة في قلب معادلة ردع إقليمية، تدفع ثمن كل جولة تصعيد، بينما لا تملك قرار الحرب والسلم بشكل مستقل تماما.
ولم يعد يفكر المواطن الغزي العادي بلغة المحاور ولا بالاستراتيجيات العابرة للحدود، بل ما يعنيه هو بيته الذي تهدم، عمله الذي فقده، ومستقبل أطفاله الغامض، ومع كل جولة تصعيد، كان الخطاب يتحدث عن “وحدة الساحات” و”المعركة الكبرى”، لكن الواقع على الأرض كان دمارا متراكما وفاتورة إنسانية ثقيلة.
اليوم، ومع تراجع قدرة إيران على فرض معادلات ردع إقليمية ولم تعد أصلا قادرة على حماية نفسها، يجد كثيرون أن الرهان الذي بُني عليه جزء من استراتيجية حماس لم يعد قائما، فإذا كان الداعم نفسه تحت الضغط، فكيف سيؤمّن مظلة حماية لغيره؟
ويرى المراقبون أن الفكرة التي كانت تُسوّق لسنوات بأن هذا المحور يشكل توازنا استراتيجيا قادرا على قلب المعادلات تبدو اليوم موضع شك عميق، فالتحولات الإقليمية كشفت أن التحالفات ليست ثابتة، وأن المصالح الوطنية للدول تتقدم في النهاية على أي شعار عابر للحدود.
ويؤكدون أن الإشكالية الكبرى تكمن في أن القضية الفلسطينية ليست ملفا تكتيكيا ضمن صراع إقليمي، بل قضية شعب يبحث عن حرية وكرامة، وعندما يتم ربطها بمشروع إقليمي ذي طابع مذهبي أو سياسي ضيق، فإن حماس تخاطر بفقدان عمق القضية العربي والإسلامي الأوسع، وتتحول إلى جزء من استقطاب حاد يضر أكثر مما ينفع.
ويوجه المتابعون للشأن الدولي دعوة الى حركة حماس بضرورة إجراء مراجعة جذرية في خطابها وأفعالها وأيدلوجيتها، خصوصا وأن المحور الذي راهنت عليه سنوات طويلة يتفكك وأن ايران نفسها تخوض معركة وجود وتثبيت، مبينين أن استمرار حماس دون مراجعة يعني “مغامرة جديدة”.
ويشدد المراقبون على أن النقد هنا لا يستهدف فكرة المقاومة بحد ذاتها، بل طريقة إدارتها وارتهانها لمحاور إقليمية متغيرة، موضحين أن القرار الفلسطيني يجب أن يكون فلسطينيا أولا، نابعا من مصلحة الناس لا من حسابات حلفاء بعيدين.
إن قطاع غزة دفع أثمانا باهظة خلال سنوات حكم حماس، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل ستستمر قيادة الحركة في الرهان على محور ينهار، أم تعيد صياغة استراتيجيتها بما يضع حياة الفلسطيني وكرامته فوق أي أجندة خارجية؟.. في النهاية فإن لتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والمنطقة تدخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للشعارات الفارغة الذي لا يطعم ولا يسمن من جوع.. فهل تتعظ حماس؟







