كيف يمكن للدولة أن تبسط سيادتها؟ وهل يمكنها تجريد “حزب الله” من سلاحه لتتحقق هذه السيادة؟ هل تصبح حينها سوبر دولة؟
سؤال يستدعي الآخر. والأجوبة دونها احتمالات وعرة، ليس أقلها ارتفاع دشم ومتاريس تزيد حدَّة الشرخ بين الطوائف، وتنسف كل الأحلام والأماني التي ارتفعت كبالونات ملونة في سماء الوجدان اللبناني مع العهد الجديد وعناوينه.
فالسعي إلى مصادرة السلاح بالقوة، ربما يقود إلى مواجهة بين الجيش و”الحزب”، ويستنهض مريدي الأخير من تحت ركام خيباتهم ليفشوا خلقهم بمعارك تنال ممن يستوطئ حائطهم، ويشحنوا بيئتهم بانتصارات ترفع المعنويات بعد قضائهم على “عملاء الداخل”.
في المقابل، يخلِّف التساهل والتراخي مع بقاء هذا السلاح نتائج وخيمة، لأن الاكتفاء بالسلبية الملتبسة، وانتظار المعطيات الإقليمية والدولية، والمراهنة على تغيير من الخارج قد يحمل حلولاً سحرية يمكن الاستفادة منها، كلها أمور ستبقي العجز على حاله وتكرس ضعف الدولة وتفاقم غيابها. والأهم أن هذا الوضع المتأرجح يعطي “الحزب” ذريعة قوية للاحتفاظ بالسلاح واستخدامه فزاعة سياسية للاستقواء، مع يقينه بأنه لم يعد ينفعه عسكرياً، وتحديداً تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة بوقاحة، لا توازيها إلا وقاحة الراعي الأميركي لتبرير كل هذه الجرائم والانتهاكات للسيادة، بحجة الدفاع الإسرائيلي الاستباقي عن النفس من خلال العمليات الأمنية.
من هنا، لعل المطلوب ليس السؤال والجواب، وليس الاكتفاء بإدانة الاعتداءات الإسرائيلية، أو الاستقبالات والتصريحات التي لا تغير في واقع الأحوال شيئاً. لعل المطلوب هو الوقوف بثبات على أرض الواقع، والبحث بجدية عن حلولٍ للأزمات التي تتوالد من ضعف الدولة ومؤسساتها وتعقِّد حياة اللبنانيين اليومية، ويمكن معالجتها بالإجراءات القائمة على العلم والحزم.
ففي حين يجب أن تنصب الجهود المتعلقة بالأمن القومي حيث يجب، إن من خلال المساعي الدبلوماسية والعلاقات الدولية، لا بأس بإيلاء التفاصيل الصغيرة الاهتمام، وتحديداً تلك التي لا تتطلب تمويلاً هائلا غير متوفر، كأن تتضافر جهود الوزارات لتنسق وتتعاون وتخفف من معاناة المواطنين بتطبيق قوانين بسيطة وبديهية ولها مردودها الإيجابي على وتيرة الحياة اليومية.
فمواجهة القضايا الكبرى يجب الّا تمنع الدولة ومؤسساتها من تسهيل حياة اللبناني، لدفعه إلى الانخراط في دورة الحقوق والواجبات تحت مظلة العدالة الاجتماعية. ومن التفاصيل الصغيرة يصبح الانتقال من الانتماء للطائفة إلى الانتماء للوطن متاحاً بالتدريج، وصولاً إلى قمة هرم الأولويات. فالدولة التي تطبّق القانون، وتعمل بما يزيح الهموم الصغيرة عن كاهل مواطنيها، تستطيع بالتأكيد التدرج إلى القضايا الكبرى، وصولا إلى اقتناع هؤلاء المواطنين بأن سلاح “حزب الله”، ليس سنداً لأحد ولا تهديداً لأحد، فالقضايا الكبرى كما الصغرى تحتاج دولة قادرة على إفقاد أي سلاح غير سلاحها جدواه، ليصبح مجرد ديكور لا يساوي تكاليف صيانته.
حينها، يمكن إطلاق البالونات الملوّنة والتمتع بمراقبتها تطير وسع السماء.
*نقلاً عن “نداء الوطن”