يمكن تلخيص أهمية البطل في الرواية الفلسطينية بأنه: ليس مجرد شخصية سردية، بل بنية فكرية ووطنية تمثّل تحوّلات الإنسان الفلسطيني عبر التاريخ
فهو: يبدأ كضحية ثم يتحول إلى مقاوم وينتهي ككائن إشكالي يبحث عن معنى، ومع شخصية مثل خالد في زمن الشيطنة للتلولي نصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: ليس “كيف نقاوم؟” بل “كيف نبقى إنسانيين ونحن نقاوم؟”
فالبطل في الرواية الفلسطينية عموما يعمل على مبدا الاثر الذي يبقى والقادر على احداث المعنى الحقيقي للبطولة في تجسيد حي لما قاله درويش:
“لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟ كانوا
يَحفظُون خريطةَ الفردوس أكثرَ من
كتاب الأرض, يُشْغِلُهُمْ سؤال آخر:
ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟ ”
وضمن هذا المعنى تتضح معالم ودور شخصية البطل في الرواية الفلسطينية بشكل عام والتي تطوّرت الى قبس من نور يقتدى به ضمن مسار تعبوي يرسم ملامح الطريق.
ضمن هذا الفهم يأتي خالد المالح في زمن الشيطنة بوصفه تجسيدًا ناضجًا لهذا التحول، حيث يمثل إنسانًا معاصرًا يعيش تمزق الهوية، وتداخل الصراع الخارجي والداخلي، دون أن يفقد وعيه أو إنسانيته بالكامل؛ بل يصنع من تحولاته وظروفه القاهرة والضاغطة نقطة للتحول والانطلاق نحو اشاعة خيوط الامل وبوادر النصر كاستجابة طبيعية لموروث الفلسطيني المتمثل باسطورة طائر الفينيق، الناهض دوما من تحت ركام الرماد الى فكرة المقاومة، مع التاكيد على واقعية التجربة والنهج دون طوباوية..
في رواية زمن الشيطنة للتلولي تمثّل شخصية خالد المالح العمود الفقري للرواية، إذ تتجسد فيها تجربة الإنسان الفلسطيني الممزّق بين الوطن والمنفى، الحب والفقد، الأمل والانكسار، ويمكن تتبّع تطور شخصية البطل [خالد] في رواية زمن الشيطنة عبر مراحل نفسية وسردية واضحة:
أولًا: مرحلة البدايات – الوعي الوطني والاندماج
في البداية، يظهر خالد: شابًا منخرطًا في الشأن العام
مرتبطًا بالهوية الوطنية يحمل وعيًا سياسيًا مبكرًا (مشاهد الانتفاضة – ص97) ملامحه: الانتماء، الحماس، الإيمان بالفعل الجماعي؛ لكنه وعي لم يُختبر بعد بالصدمة الكبرى.
ثانيًا: مرحلة الصدمة – الفقد الأول (محمود)
يشكّل استشهاد محمود (ص40) لحظة مفصلية من حيث سقوط النموذج المثالي، اهتزاز الثقة بالعالم، وهذا كله اسهم بالتأثير على خالد اذ انه مثل بداية التحول من اليقين إلى الشك، وإدراكه لمدى قسوة الواقع. و هنا تبدأ أولى ملامح “زمن الشيطنة” داخله.
ثالثًا: مرحلة المنفى الداخلي – التيه بين غزة وبيت لحم بعد الإبعاد: حيث يعيش خالد حالة تعليق وجودي
لا ينتمي كليًا إلى غزة، ولا يستطيع العودة إلى بيت لحم (ص170)، ومن مظاهر هذه المرحلة: شعوره الدائم بالغربة، وتمييز اجتماعي (سفر 4 – ص166)
رافقه انتظار بلا أفق… بحيث يتحول خالد إلى كائن معلّق بين مكانين وهوية ممزقة.
رابعًا: مرحلة الحب – محاولة استعادة المعنى
تدخل روزيت حياته: تمنحه أملًا إنسانيًا وتعيد إليه الإحساس بالحياة، لكن هذا الحب محكوم بالاختلاف الديني، ومرفوض عائليًا (ص188)،وهذا ما جسده خالد في موقفه من الهروب في (ص189): حيث يرفضه ويتمسك بالقيم رغم الألم فب دلالة على ان خالد لا يزال يحتفظ ببقايا “الأخلاق الأولى” رغم التشوّه.
خامسًا: مرحلة الانكسار المركّب حيث تتوالى الضربات:
موت ياسر عرفات (ص138)
مرض الأب (ص158–161)
الفوضى والاقتتال الداخلي (ص161)
و النتيجة: انهيار الأمل السياسي،تفكك الأمان الأسري
تضاعف الإحساس بالعجز، ويصبح خالد حالة وطنية مُثقلًة بالخسارات.
سادسًا: مرحلة المواجهة مع العبث حيث يبدأ خالد في التساؤل:
عن جدوى النضال
عن معنى الفقد
عن عبثية الواقع
وتتجلى هذه المرحلة في: تأملاته الرمزية (العرافة – ص183–184)، نقده للواقع الداخلي (ص180)
و هنا يصل إلى وعي نقدي حاد لكنه مشبع بالمرارة.
سابعًا: المرحلة الأخيرة – القبول المرّ
في النهاية: يودّع روزيت (ص189–191)، ويبقى معلقًا بين الهجرة والبقاء، يبحث عن “بقعة ضوء” في العتمة. ومن ملامح هذه المرحلة:
لا انهيار كامل، ولا خلاص، بل توازن هش بين الاستمرار والانكسار.
وهذه الاطلالة على شخصية البطل في زمن الشيطنة تدفعنا لسبر اغوار شخصية البطل اكثر من خلال دراسة البنية النفسية لشخصية خالد، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث طبقات:
1. الظاهر: شاب مثقف، وطني، متماسك ظاهريًا
2. العميق: قلق، ممزق، يبحث عن معنى
3. الجوهري:إنسان يحاول أن يبقى إنسانًا في زمن يفقد فيه الجميع إنسانيتهم.
دلالات شخصية خالد:
1. نموذج الإنسان الفلسطيني المعاصر
يعيش الاحتلال ويعاني الانقسام ويواجه فقدان الأمل
2. تجسيد “زمن الشيطنة”
لا يتحول إلى شرير لكنه يتشوّه نفسيًا
3. بطل مضاد
ليس منتصرًا ولا مهزومًا تمامًا، بل إنسانًا عاديًا في واقع غير عادي.
وهذا ما يتضح اكثر عند تتبع ملامح البطل في مسيرة الرواية الفلسطينية عمومًا حيث تطوّرت شخصية البطل الفلسطيني عبر مراحل تاريخية، ويمكن تحديد سماتها الكبرى كما يلي:
اولا البطل الجمعي (مرحلة النكبة وما بعدها) كما هو الحال في أعمال مثل غسان كنفاني: فالبطل ليس فردًا مستقلًا، بل جزء من جماعة يمثّل: اللاجئ، المهجّر ، الضحية والذي من سماته: مسلوب الإرادة أحيانًا، ومحكوم بالظرف التاريخي، ويعبّر عن مأساة جماعية.
ثانيا البطل المقاوم (مرحلة الثورة) حيث يتحوّل البطل إلى: فاعل في الحدث، منخرط في المقاومة
ومن سماته: وعي سياسي واضح واستعداد للتضحية
وحضور بطولي نسبي.
ثالثا البطل الإشكالي (المرحلة الحديثة) مع تطور الرواية وتعرج مسارات القضية الفلسطينية وتعقيداتها:
لم يعد البطل بطوليًا خالصًا بل أصبح: مترددًا، قلقًا، ممزقًا ومن سماته: يعيش صراعًا داخليًا، يشكك في القيم، ويعاني من الاغتراب كحالة خالد في زمن الشيطنة. وهذا التحول يعكس: انتقال الرواية من “القضية” إلى “الإنسان داخل القضية”.
وهذا الامر يدعونا ايضا الى دراسة شخصية البطل [خالد] في رواية زمن الشيطنة كنموذج للبطل الإشكالي، حيث يمثّل خالد ذروة هذا التحول، ويمكن قراءته عبر عدة أبعاد:
اولا البطل المعلّق فخالد لا ينتمي كليًا إلى غزة، ولا يستطيع العودة إلى بيت لحم، فهو: بطل بلا مكان ثابت، وهذا يرمز إلى: فقدان الجغرافيا، وتشظي الهوية.
ثانيا البطل النفسي على عكس البطل التقليدي الذي والذي صراعه الأساسي داخلي و يتمثل في: الحب (روزيت)، الفقد (محمود، الأب)، الخيبة السياسية
فهو من هذا المنظار بطل يعيش في ذاته أكثر مما يعيش في الحدث…
ثالثا البطل الأخلاقي ويتجلى ذلك في رفضه الهروب مع روزيت وتمسكه بقيمه رغم الانهيار في دلالة رمزية بانه لا يزال يحتفظ بـ”بوصلة أخلاقية” في زمن مشوّه.
رابعا البطل المهزوم دون انهيار فخالد لا ينتصر، لكنه لا ينهار بالكامل ويسعى الى الحفاظ على ذاته من الانهيار فهو بطل الاستمرار لا بطل الانتصار وهنا تكمن القيمة الحقيقية لفكرة المقاومة.
خامسا البطل في “زمن الشيطنة” حيث يمثّل خالد إنسانًا يتعرض لتشويه خارجي (احتلال/سياسة) وتشويه داخلي (انقسام/فقد) لكنه يحاول الحفاظ على إنسانيته وذاته رغم ذلك…
الخلاصة:
شخصية خالد المالح ليست مسارًا صاعدًا، بل مسارًا وجوديًا معقدًا يسير وجودا وعدما مع مسار القضية الفلسطينية : من الانتماء إلى التيه، ومن الأمل إلى الوعي المرّ، دون أن يفقد إنسانيته بالكامل وهو بذلك:
مرآة لجيل كامل، لا يبحث عن البطولة… بل عن معنى البقاء، وما اختيار شخصية البطل [خالد] في رواية زمن الشيطنة ضمن هذا المسار إلاً تصوير مكثف ذي رمزية عالية نجح في كونه مرآة للواقع الفلسطيني المر ، كل ذلك في تجسيد حي لمآلات القضية الفلسطينية وتعقيداتها ، وهذا ما يحسب لصاحبنا التلولي في القدرة على التقاطه وتوظيفه برمزياته العالية في صفحات الرواية…







