سورية ..إلى أين؟

رضوان زيادة

لا اريد ان اعكر صفو فرحة الناس والسوريين خصوصا بالعيد، ففرحتنا بالخلاص من الأسد تعطينا شعورا دائما بالبهجة والأمل.
لكن ما قاله الرئيس الشرع أمام أعضاء مجلس الشعب في قصر الشعب في أول أيام العيد كان صادما إلى حد كبير، فكيف يكون لرئيس في نظام رئاسي وجمهوري أن يقر موازنة الدولة كما ذكر، هذا حصرا من اختصاص البرلمان، ربما لا يميز الرئيس بين الموازنة والميزانية
فهناك فرق جوهري بين الموازنة (Budget) والميزانية (Balance Sheet) وهو لا يكمن فقط في التوقيت والهدف؛ فالموازنة خطة تقديرية مستقبليةللإيرادات والنفقات تُعد قبل بداية السنة المالية، بينما الميزانية تقرير فعلي تاريخي يُظهر المركز المالي للأصول والالتزامات الحقيقية للدولة في نهاية السنة، مجددا لا يكترث الرئيس للإعلان الدستوري الذي وقعه بنفسه عندما جعل من صلاحيات مجلس الشعب إقرار موازنة الدولة، التي تقر بعد ان يكون هناك نقاش وطني حول مشروع الموازنة الذي تقدمه الحكومة وبين الاولويات التي يعتقد اعضاء المجلس ان يجب تضمينها من مثل اولوية اعادة الإعمار وإغلاق المخيمات ورفع الأنقاض والعدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين.
فكيف يقر الشرع الموازنة دون ان نعرف ما هي بنودها وما هي أولويات الحكومة فيها، ما ذكره الشرع ان هناك مخصصات للبنى التحتية وإغلاق المخيمات وهذا جيد، لكن اين هي البنود التي تتعلق بتمويل الهيئات التي من شأنها ان تشوف على عملية الانتقال السياسي المؤسسي، فالعدالة الانتقالية هي اولوية للسوريين فما هو حجم التمويل المفترض لهذا العملية في هذا العام، وينطبق الأمر ذاته على قضية المفقودين فهناك مئات الالوف من المفقودين ينتظر الاهل والأحبة معرفة مصيرهم، فهل خصص بند في الموازنة لذلك، وايضاً الشرعية الثورية هي عملية مؤقتة تعقبها تحضير سورية والسوريين للانتخابات القادمة على مستوى منصب المحافظين والإدارة المحلية والبرلمان والانتخابات الرئاسية فهل هناك تمويل مخصص لتأسيس الهيئة العليا المستبقة للانتخابات التي يفترض بها ان تحضر السوريين لعملية انتخابية حرة ونزيهة في العامين القادمين، هل هناك بند في الموازنة لذلك ..وهكذا
فالموازنة ليست أبدا مجرد ارقام انها أولويات الحكومة والسياسات التي يدافع عنها رئيسها ولا يحق فقط بل يجب على كل الشعب المشاركة في كتابة بنودها وبالأخص اعضاء مجلس الشعب فهو المؤسسة التي يقرها في النهاية
اما الأرقام الاقتصادية التي ذكرها الشرع، فلا تعدو ان تكون مجرد وعود غير قابلة للتحقيق أبدا فكيف يمكن ان يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسورية في عام ٥٠ مليار إذا لم يكن النمو الذي حققته سورية في العام الماضي متجاوزا النصف بالمائة وفقا لتقديرات البنك الدولي، اما الإنفاق الحكومي الذي تحدث عنه، فنحن لم نر ميزانية العام الفائت كي نعرف الواردات والنفقات وبالتالي يمكننا تقدير حجم الإنفاق الحكومي العام.
كل المدارس والمشافي التي افتتحها الوزراء في العام الماضي كانت بتمويل منظمات أهلية وغير حكومية فالإنفاق الحكومي اعتقد اقترب من الصفر ولذلك حققت سورية فائضا كما ذكر الشرع، لكن هذا شيء لا يدعو للفخر أبدا فإذا انت كبلد لديك مئات المخيمات وملايين المهجرين وعشرات المدارس والمشافي المدمرة ولا تعمل على بناءها واعادة إعمارها واذا كانت نسبة الفقر لديك تتجاوز ٩٠ بالمائة من الشعب، والمواطنون يشكون من غلاء الكهرباء حيث تفوق تكلفة الفاتورة قيمة الراتب الشهري فكيف يمكن لك ان تحقق فائضا وتفخر به، يجب ان يكون لديك عجز بمئات الملايين حتى تحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
على الرئيس ان يغير كل فريقه الاقتصادي وان يكون فريقا قريبا من الشارع قريبا من فقر السوريين وعجزهم، فريق يضع في أولويته مكافحة التضخم وغلاء الأسعار وضمان تحقيق الانتقال السياسي بمؤسسات ذات مصداقية ومشروعية
لكن إذا استمرينا على مراكمة الأخطاء فلن يكون اليوم بعيدا حيث يتفاجأ الشرع بأنه خلق نظاما مغلقا غير قابل للإصلاح اعجز عن الانتقال إلى الشرعية السياسية عبر الانتخابات وعندها ندخل في دوامة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي مجددا
على الرئيس ان يساعد نفسه اولا حتى نتمكن من مساعدته، وحتى يتحقق حلم السوريين الذي تحدث عنه