في مكانٍ ما بين الشمس والقمح، وُلدت فلسطين.
لا أعرف إن كانت وطناً أخطأ في الطريق إلى السماء، أم فكرةً سماوية أخطأت في الطريق إلى الأرض.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
أن كل من يقترب منها يخرج شخصاً آخر.
المرأة في فلسطين ليست امرأة.
إنها الربيع حين يقرر أن يقاوم.
وهي القمح حين يتعلم الوقوف في وجه الريح.
وهي الأغنية التي تبقى في الحنجرة بعد انطفاء الحفل.
لذلك لا تكبر النساء هنا كما تكبر النساء في بقية العالم.
بل يكبرن كما تكبر الأشجار التي تعرف أن العاصفة قادمة ومع ذلك تواصل النمو.
أما السياسة…
فهي الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يجلس في ظل شجرة ويتحدث ساعات عن أهمية الزراعة.
ويستطيع أن يشاهد حقلاً يموت عطشاً ثم يكتب تقريراً عن وفرة المياه.
ويستطيع أن يشرح للناس معنى الأمل بينما جيوبه ممتلئة بما يكفي ليعيش ألف يأس.
لهذا لم يكن الفلسطينيون يوماً أبناء السياسة.
كانوا أبناء الحلم.
والسياسة كثيراً ما كانت تصل متأخرة إلى المكان الذي سبقهم إليه الحلم.
ولأن الفلسطيني ابن الحلم أكثر مما هو ابن السياسة…
تراه كل صباح يحمل وطنه على كتفيه ويمضي.
تجده عند معبر الكرامة واقفاً بين حقيبتين؛
حقيبة يحمل فيها بعض حاجاته
وأخرى يحمل فيها أعواماً كاملة من الانتظار.
وتجده معلماً يحاول أن يشرح للأجيال معنى المستقبل، بينما المستقبل نفسه يضيق عليه كل شهر أكثر من الذي قبله.
وتجده عسكرياً يحرس الأمل في عيون الناس، فيما يخبئ ضيق حاله خلف ابتسامة لا يراها أحد.
وتجده موظفاً يعد الأيام كما يعد الأب أبناءه، ويحسب ما تبقى من الشهر أكثر مما يحسب ما تبقى من العمر.
هذا الشعب لا يطلب المعجزات.
لا يطلب قصوراً.
ولا يطلب المستحيل.
كل ما يريده أحياناً أن يشعر أن تعبه مرئي.
أن يشعر أن الطريق التي سار فيها طويلاً تقوده إلى مكان.
وأن الوطن الذي أحبه أكثر من نفسه، يبادله الحب ذاته.
في هذه البلاد، الفشل لا يأتي دائماً من الهزيمة.
أحياناً يأتي من أولئك الذين أصابهم الشبع حتى ظنوا أن الوطن مائدة.
ومن أولئك الذين طال جلوسهم حتى اعتقدوا أن الكرسي جزء من الجسد.
ومن أولئك الذين يتحدثون عن الألم كما يتحدث السائح عن مدينة زارها يوماً ثم غادرها.
بينما هناك رجال ونساء يحملون فلسطين بالطريقة نفسها التي يحمل بها المؤمن صلاته.
لا لأنها خفيفة…
بل لأنها مقدسة.
والغريب أن هذه البلاد لا تتغذى على النجاح كما تتغذى الأمم الأخرى.
بل تتغذى على قدرتها العجيبة في النجاة من الفشل.
كل سقوط فيها يتحول إلى درس.
وكل خيبة تتحول إلى ذاكرة.
وكل جرح يبحث عن معنى أكبر من الألم.
كأن الله وضع في ترابها سراً لا نعرفه.
فكلما اعتقد الناس أن الحكاية انتهت، تبدأ من جديد بطريقة أكثر عناداً.
ولهذا يموت بعض الناس من حب فلسطين.
نعم…
من حبها تحديداً.
ليس لأنهم يبحثون عن الموت.
بل لأنهم يبحثون عن معنى للحياة أكبر من أعمارهم.
وهذا ما فعلته الرسالات السماوية منذ البداية.
لم تمنح أصحابها الراحة.
منحتهم المعنى.
وفلسطين، في جوهرها العميق، ليست قطعة أرض يتنازع عليها البشر.
إنها معركة قديمة بين الذين يريدون العيش من أجل شيء، والذين يريدون العيش على حساب كل شيء.
ولذلك…
عندما تشرق الشمس كل صباح على هذه البلاد، لا أظنها ترى حدوداً أو مدناً أو حكومات.
أظنها ترى حقلاً هائلاً من الأرواح.
بعضها متعب.
بعضها مكسور.
بعضها خذلته السياسة.
وبعضها خذله الزمن.
لكنها جميعاً ما زالت تتجه نحو الضوء.
مثل سنابل القمح تماماً.
تعرف أن الريح أقوى منها.
وتعرف أن العاصفة قد تقتلعها.
وتعرف أن الحصاد قد لا يكون لها.
ومع ذلك تواصل الارتفاع نحو الشمس.
لا لأنها تضمن الوصول…
بل لأنها تعرف أن البقاء منحنية ليس قدراً.
وربما لهذا السبب تحديداً أحب الفلسطينيون هذه الأرض.
ليس لأنها كانت دائماً عادلة معهم.
ولا لأنها منحتهم ما يستحقون.
بل لأنها تشبههم.
تتعب ولا تستسلم.
وتُجرح ولا تنكسر.
وتشيخ فوقها المواسم بينما تبقى روحها شابة.
ولهذا فإن التغيير في فلسطين ليس احتمالاً.
بل موعد.
قد يتأخر…
كما يتأخر الربيع أحياناً.
وقد تحجبه غيوم كثيفة.
وقد يظن البعض أنه لن يأتي أبداً.
لكن أحداً لم ينجح في منع الصباح من الوصول.
وأحداً لم يستطع أن يقنع الشمس أن تتراجع إلى الخلف.
وأحداً لم يتمكن من إقناع سنبلة قمح أن تتوقف عن البحث عن الضوء.
سيأتي يوم تفتح فيه هذه الأرض نوافذها كلها دفعة واحدة.
ويكتشف المعلم أن تعبه لم يذهب هباءً.
ويشعر العسكري أن كرامته محفوظة كما حفظ كرامة الناس.
ويتنفس الموظف أخيراً خارج حسابات العجز والانتظار.
ويعبر المسافر معبر الكرامة حاملاً شوقه فقط، لا أثقال عمرٍ كامل من الترقب.
ويعرف المتعبون أن أعمارهم لم تذهب سدى.
ويعرف الحالمون أن أحلامهم لم تكن وهماً.
ويجلس الذين أحبوا فلسطين حباً خالصاً مطمئنين كمن أنهى صلاة طويلة.
عندها فقط…
ستلتفت فلسطين إلى أبنائها.
وتبتسم.
كأمٍ تعرف منذ البداية أن أبناءها سيعودون إليها مهما طال الطريق.
فالأرض التي أنجبت كل هذا الحب…
لا يمكن أن تنجب اليأس.
والشعب الذي حوّل الوجع إلى أغنية، والانتظار إلى صبر، والخسارات إلى دروس، لا يمكن أن يبقى أسيراً للوقت إلى الأبد.
فلكل ليلٍ فجره.
ولكل قمحٍ موسمه.
ولكل ربيعٍ موعده.
ولكل شعبٍ لحظته التي ينهض فيها من بين الركام كأنه خُلق من جديد.
وتلك اللحظة…
قادمة.





