السياسي -متابعات
تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة إلى واحدة من أضخم موجات الاستثمار في تاريخها، مع ضخ نحو 725 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعيد تشكيل أولويات القطاع، لكنها في الوقت ذاته تضغط بقوة على السيولة المالية لهذه الشركات وفق تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”.
وبحسب تقديرات الأسواق، فإن هذا التوسع غير المسبوق في الإنفاق بدأ ينعكس بشكل مباشر على التدفقات النقدية الحرة لأكبر 4 شركات تقنية، وهي أمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا.
ويُتوقع أن تهبط التدفقات إلى نحو 4 مليارات دولار فقط خلال الربع الثالث من العام، أي الأموال المتبقية لدى هذه الشركات بعد تغطية النفقات التشغيلية والاستثمارية، مقارنة بمتوسط بلغ 45 مليار دولار لكل ربع منذ جائحة كورونا، ما يعكس تراجعاً حاداً في السيولة المتاحة نتيجة الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويمثل هذا التراجع تحولاً لافتاً في نموذج عمل هذه الشركات، التي اعتادت لسنوات أن تبقي أصول نقدية ضخمة، قبل أن تتحول سريعاً إلى مستثمرين كبار في البنية التحتية المادية، وعلى رأسها مراكز البيانات وشبكات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
إنفاق خيالي على الذكاء الاصطناعي
ويرى خبراء في قطاع التكنولوجيا أن القطاع يمر حالياً بأعمق دورة إنفاق رأسمالي في تاريخه، مدفوعاً بقناعة لدى الشركات بأن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لا تتكرر كثيراً، حتى لو جاء ذلك على حساب الأرباح قصيرة الأجل.
هذا التحول يضع الشركات أمام خيارات صعبة، إذ بدأت بالفعل ملامح المفاضلة تظهر بين خفض التكاليف، أو تقليص عوائد المساهمين، أو اللجوء إلى الاقتراض لتمويل التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتُظهر التوقعات أن أمازون ستنفق نقداً أكثر مما تولد هذا العام، فيما ستواجه ميتا ومايكروسوفت فترات من التدفقات النقدية السلبية، بينما يتوقع أن تتراجع التدفقات النقدية لألفابت إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد.
كما انعكس هذا التوجه على سياسات إعادة شراء الأسهم، حيث أوقفت ألفابت عمليات إعادة الشراء في الربع الأول لأول مرة منذ 2015، بينما لجأت إلى إصدار ديون بمليارات الدولارات.
بدورها، أصدرت ميتا ديوناً كبيرة خلال الأشهر الأخيرة وأوقفت برنامج إعادة شراء الأسهم، في حين لجأت إلى تسريحات وظيفية لتوفير السيولة اللازمة للاستثمار.
أين تذهب المليارات؟
وتتجه هذه الاستثمارات بشكل رئيسي إلى بناء مراكز بيانات ضخمة وتوسيع قدرات الحوسبة، في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد ضغوطاً متزايدة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف مكونات أساسية مثل رقائق الذاكرة وتجهيزات الشبكات.
في المقابل، تراهن الشركات على أن هذا الإنفاق سيترجم إلى نمو قوي في الإيرادات خلال السنوات المقبلة، مع ازدياد الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي.
ويحذر بعض الخبراء من أن هذا النمط من الاستثمار يشبه دورات الإنفاق في صناعات تقليدية كثيفة رأس المال، مثل الاتصالات، حيث يؤدي الإفراط في الاستثمار أحياناً إلى فائض في القدرات وضغط على الأرباح.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو شركات التكنولوجيا الكبرى عالقة في معادلة معقدة، بين ضرورة الاستثمار المكثف للحفاظ على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي، ومخاطر استنزاف السيولة على المدى القصير، في سباق قد يحدد ملامح الاقتصاد الرقمي العالمي لسنوات مقبلة.




