يهلُّ علينا شهر رمضان المبارك للعام الثالث على التوالي في ظل حربٍ ما زالت تستنزف طاقاتنا، وتنهك عافيتنا، وتثقل كاهل مجتمعنا، فارضةً واقعًا تبدّلت فيه الأحوال، وتشتّتت فيه الأسر، وتبعثرت فيه الروابط، وتعاظمت فيه المواجع.
يأتي رمضان وبيوتٌ كثيرة قد اعتراها النقص؛ نقصٌ بوفاة الأحبة وارتقائهم، أو بفقدانهم، أو بغيابهم في غياهب المعتقلات الظالمة، أو بنزوحهم إلى أقطارٍ ودولٍ وراء البحار والمحيطات، أو بإبادة أسرٍ كاملة لم يبقَ منها إلا الذكرى الطيبة والدعاء الصادق.
ويحلُّ رمضان هذا العام ولا زلنا محرومين من لَمّة الاجتماع العائلي، ومن دفء الأقارب وصلة الأرحام، ومن موائد كانت عامرة بالمحبة قبل أن تكون عامرة بالطعام.
لقد كانت الحرب قاسية على كل شيء، ولم تسلم منها القلوب؛ فقست عند بعضهم، وضاع الواجب والأصل، وغاب الوفاء حيث كنا نظنه ثابتًا لا يتزعزع.
أما على صعيد المسؤولين العموميين، فقد غاب من غاب، وغُيِّب من غُيِّب، وكأن الأمانة لم تكن عهدًا، ولا المسؤولية تكليفًا. نسأل الله أن يستبدلهم بخيرٍ منهم، بالقادرين على حمل الأمانة، الصادقين في نصرة المواطن، الواقفين مع الناس لا عليهم، الحاضرين في الميدان لا في الظلال.
وأنا أكتب هذه الكلمات، تعود إلى ذاكرتي عبارةٌ كنت أسمعها من أمي حفظها الله، وجدتي رحمها الله، حين كانتا تُهنئان الناس برمضان والعيد فتقولان:
“ينعاد عليكم بالخير والسعادة وأنتم زايدين مش ناقصين.”
كانت آنذاك تمرّ عليّ كتهنئة عابرة، لا أستشعر عمقها، أما اليوم فقد أدركت قيمتها وأبعادها ومعناها الحقيقي.
فها هو رمضان يعود، والأعياد تمرّ، وفي الأنفس نقص، وفي الأموال نقص، وفي الثمرات نقص… نقصٌ موجعٌ في الأحبة، في البيوت، في الطمأنينة، في الشعور بالأمان.
حسبنا الله ونعم الوكيل في الظالمين.
ورغم كل ما أثقل القلوب، يبقى رمضان شهر الرحمة، وشهر الجبر بعد الكسر، وشهر الفرج بعد الضيق.
نسأل الله أن يجعله شهر خيرٍ وبركة، وأمنٍ وأمان، ولمٍّ للشمل، وعودةٍ قريبة إلى البيت والمدينة والريف الجميل، وأن يعيد الطمأنينة إلى القلوب قبل الديار.
اللهم غيّب عنا من استغلّ الشعب وانتفع من آلامه، واكسر من اغترّ بنفوذه وماله وقوته، وتعالى على مجتمعه وعلى من هم تحت مسؤوليته.
اللهم أبدل حالنا إلى أحسن حال، واجعل هذا الشهر بداية رفع الغمّة، وجبر الخاطر، ونصرة المظلوم، وحفظ البلاد والعباد، وأوصل شعبنا إلى برّ الأمان، متمكنًا في أرضه، حرًّا في دولته.
كل عام وأنتم بخير، وكل عام وشعبنا أقرب إلى الفرج.








