شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية

مهند طلال الاخرس

 

يعتبر المصور والمخرج السينمائي هاني جوهرية أول فارس فدائي ترجل صهوة الشهادة في ميادين القتال والبطولة.. وغدا يوم استشهاده في 11 نيسان 1976 ذكرى شهداء السينما الفلسطينية النضالية…

كان الشهيد هاني جوهرية قد قام بتصوير عدد من الأفلام السينمائية (الخروج) عام 1967، (الأرض المحروقة) 1968،(زهرة المدائن) 1966،(وجسر العودة) عام 1969، (لا للحل السلمي)(1969) (بالروح بالدم) عام 1971، (على طريق النصر ) 1975، وفيلم (المفتاح) 1976.

هاني جوهرية لم يكن مجرد مصوّرٍ يحمل كاميرا، بل كان عيناً تقاتل، وذاكرةً تُقاوم، وصوتاً بصرياً لشعبٍ كان يُحاصَر بالصمت بقدر ما يُحاصَر بالرصاص. في سيرته تختلط الحكاية الشخصية بالقدر الجماعي، ويتحوّل الفعل الفني إلى ممارسة نضالية لا تقل شأناً عن البندقية.

وُلد صاحبنا في القدس عام 1939، في مدينةٍ كانت منذ البداية مرآةً للصراع، فشبّ وهو يرى كيف تتحول الأمكنة إلى رموز، وكيف تصبح الصورة جزءاً من معركة الوجود. لم يكن خياره لدراسة التصوير في القاهرة ولندن مجرد مسارٍ مهني، بل كان، في جوهره، إعداداً مبكراً لدورٍ أكبر: أن يكون شاهداً، لا راوياً فقط، وأن يضع الحقيقة في مواجهة محاولات الطمس والشطب والالغاء.
حين عاد إلى المنطقة، واختار عمّان محطةً له بعد عام 1967، كان قد أدرك أن الهزيمة لا تُقاس فقط بما يُفقد من أرض، بل أيضاً بما يُفقد من رواية. ومن هنا بدأت مهمته الحقيقية: استعادة الصورة من يد الخصم، وإعادتها إلى أصحابها.

مع انطلاقة العمل الفدائي في الأغوار، لم يكن هاني جوهرية مراقباً من بعيد، بل كان في قلب الحدث. حمل الكاميرا كما يحمل المقاتل سلاحه، وتقدّم مع الخطوط الأولى، مسجلاً اللحظة وهي تتشكل، لا بعد أن تنتهي. لم يكن يوثّق المعركة فحسب، بل كان يشارك في صياغة معناها. وهنا تحديداً تتجلى خصوصيته: لم يكن ينظر إلى الصورة كوثيقة جامدة، بل كفعل مقاوم، كجزء من الاشتباك ذاته.

في تأسيس قسم التصوير الذي تطوّر لاحقاً إلى مؤسسة السينما الفلسطينية، كان جوهرية أحد الأعمدة الأولى. لم يكن البناء تقنياً فقط، بل فكرياً أيضاً. لقد ساهم في ترسيخ مفهوم السينما كأداة نضال، لا كترف ثقافي. الصورة عنده لم تكن زينةً للحدث، بل دليله، وبرهانه، وأحياناً سلاحه الوحيد.
خلال أحداث أيلول 1970، حين اشتبكت الساحة الأردنية بأعقد لحظاتها، اختار أن يبقى خلف الكاميرا، لكن هذا “الخلف” كان في الحقيقة في قلب الخطر.

كان يتحرك بين الرصاص، لا ليبحث عن لقطة مثيرة، بل ليمنع الحقيقة من أن تضيع في فوضى السرديات المتضاربة. في تلك اللحظات، كان يصنع أرشيفاً حيّاً، لا للتاريخ فقط، بل للوعي أيضاً.

كان أول من نقل صورة المخيمات إلى العالم بوصفها فضاءً إنسانياً لا مجرد رقم، وأول من وثّق الفدائي بوصفه إنساناً يحمل قضية، لا مجرد مقاتل. عدسته لم تكن محايدة، لكنها لم تكن مُضلِّلة؛ كانت منحازة للحقيقة كما يراها شعبٌ يُنكر عليه الآخرون حقه في الوجود.

بعد الخروج من الأردن، لم يتوقف. انتقل إلى لبنان، وهناك بلغ مشروعه ذروته. لم يكتفِ بالتصوير، بل انخرط في تدريب جيلٍ جديد من المصورين، وكأنه كان يدرك أن المعركة طويلة، وأن الذاكرة لا يمكن أن تعتمد على فردٍ واحد. كان يبني استمرارية الرؤية، لا مجرد أرشيفها.

ثم جاءت لحظة الاستشهاد، التي بدت وكأنها امتداد طبيعي لحياته. في تلال عينطورة، لم يكن يبحث عن بطولة شخصية، بل عن صورةٍ تكتمل بها رواية المعركة. حين سقطت القذيفة، لم يكن بينه وبينها سوى أمتار قليلة، لكنه اختار أن يقترب أكثر، أن يرى لحظة السقوط كما رأى لحظة الانطلاق. في تلك اللحظة، تماهى المصوّر مع الصورة، وتحول إلى جزءٍ منها.

استشهد هاني جوهرية والكاميرا في يده، وكأنها كانت قدره الأخير. لم تسقط منه، بل سقط معها، لتبقى شاهداً مزدوجاً: على المعركة، وعلى من وثّقها.

كان اهم ما تميّزت به تجربته ليس فقط شجاعته، بل وعيه العميق بوظيفة الصورة. لقد فهم مبكراً أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الرواية. وأن من يملك الصورة، يملك القدرة على تشكيل الذاكرة. لذلك، لم يكن غريباً أن يقول: “بندقيتي هي كاميرتي”. لم تكن عبارةً بلاغية، بل تعريفاً دقيقاً لدوره.
اليوم، حين يُستعاد اسم هاني جوهرية، لا يُستعاد بوصفه مصوراً فقط، بل بوصفه رمزاً لتحوّل الكاميرا إلى أداة مقاومة، وإلى ذاكرةٍ لا تُقهر. لقد ترك خلفه أكثر من صور؛ ترك منهجاً في النظر، وفي التوثيق، وفي الإيمان بأن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد طريقها عبر عدسةٍ صادقة.

هكذا يبقى هاني وامثاله: لا في أرشيفٍ مغلق، بل في كل صورةٍ تصر على الحضور وتقاوم الغياب و النسيان.