ليس أخطر ما نواجهه اليوم غياب الرجال…
بل حضور من لا يشبهونهم، حين يعلو الصوت ويغيب المعنى، وحين تتكاثر الوجوه وتقلّ القامات.
يا صائب عريقات… يا ابا علي
لم ترحل كما يرحل الآخرون، لأنك لم تكن عابرًا في سجلّ اللحظة، بل كنت فكرةً حين تضيق الفكرة وعقلًا حين يضيق الأفق وضميرًا حين تختلط الطرق.
كنت تمسك الخيط الرفيع بين الممكن والمستحيل، وتُعيد للسياسة إنسانيتها حين كانت تميل نحو القسوة.
نقف اليوم أمام لحظةٍ فتحاوية ثقيلة ولحظةٍ لا تقبل التجميل ولا تُجيد المجاملة، لحظةٍ تُسائل فيها الحركة أبناءها بصمتٍ قاسٍ: من بقي على مقاس الفكرة ومن اختار مقاس المصلحة.
فتح ليست بخير… نعم ولكن فتح لم ولن تموت.
لأنها لم تُبْنَ على ظرف،بل على قدر ولم تُكتب كحالة عابرة، بل كهوية وطن.
كيف تموت؟؟؟؟وجذورها ضاربة في زمن ياسر عرفات، ذاك الذي لم يكن قائدًا فقط، بل حالة اشتعال دائم ورجلًا علّمنا أن الحلم لا يُؤجَّل مهما ضاق الواقع، وأن فتح ليست تنظيمًا بل روحًا تسكن شعبًا بأكمله.
وكيف تنهار؟؟؟وهي اليوم تُدار بعناد الصبر وصلابة المعنى بقيادة محمود عباس أبو مازن….الذي لم ينحنِ للعاصفة ولم يبدّل البوصلة ولم يساوم على جوهر المشروع الوطني رغم كل الضغوط، بل بقي واقفًا كآخر حراس المعنى، يحمل ما لا يُحمل ويصبر حيث يتراجع الآخرون، ويُبقي فلسطين في موقعها الصحيح حين حاول كثيرون أن يزحزحوها.
فأبو مازن ليس مجرد رئيس… بل ميزان وحارس فكرة وعنوان ثبات في زمنٍ تتساقط فيه الثوابت، وهو امتداد واعٍ لإرثٍ لم ينقطع منذ ياسر عرفات حتى هذه اللحظة.
وإلى جانبه، تقف القامات التي لا تُصنع في الإعلام، بل تُبنى في الميدان… رجالٌ يعرفون أن فتح مسؤولية لا امتياز وتاريخ لا منصة… رجال مثل جبريل الرجوب أبو رامي، حيث القامة موقف وحيث الانتماء فعل يومي لا شعار موسمي، وحيث الحضور لا يحتاج إلى تبرير لأنه راسخ في الوعي قبل المواقع.
يا صائب…يا ابو علي
نعم، في فتح أقزام للأسف وربما أكثر مما يجب، وربما ألف قزم إن أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، لكن الحقيقة التي لا يفهمها هؤلاء أن الأقزام لا يُسقطون الجبال بل يختبئون في ظلّها.
وفتح… جبل.
لكننا هذه المرة لن نصمت.
سنُعلي صوتنا، وسنضرب على الطاولة لا لنكسر الفكرة بل لنحميها ولا لنُسقط التنظيم بل لنُعيده إلى حجمه الحقيقي، وسنهدم المعابد الوهمية التي بُنيت داخل الحركة، وسنكسر الأصنام التي حاولت أن ترتدي ثوب فتح وهي لا تشبهها.
لن نُقصي… لكننا سنقيس.
سنقيس بالموقف لا بالموقع وبالتاريخ لا بالادعاء وبما قُدّم لا بما قيل وسنفتح الملفات لأن فتح أكبر من أن تُدار بالصمت وأكبر من أن تُحمى بالمجاملات.
يا صائب…
سيظنّ البعض أننا غائبون، وسيُقنعون أنفسهم أن الصوت خفت، وأن الفكرة تراجعت، لكنهم لا يعرفون أن الغياب الحقيقي هو غياب المعنى، وأن الحضور الحقيقي لا يُقاس بالضجيج.
نحن وأنت… غائبون فقط في عيون الأقزام.
أما في هذا الوطن فنحن الحضور الذي لا يُرى لكنه يُصنع والأثر الذي لا يُعلن لكنه يبقى.
نحن وأنت…
ومعنا محمود عباس…. ابا مازن
ومعنا جبريل الرجوب…ابا رامي
باقون… كما الزيت في الزيتون
ساكنون في العمق وصامتون في الظاهر، لكننا الحقيقة التي لا تزول.
يا أبا علي…
نم مطمئنًا…
فتح لم تمت، ولن تموت لأنها أكبر من أخطائها وأقوى من عثراتها وأصدق من أن تُختزل.
ستبقى بصلابة أبو مازن، وبحضور رجالها الكبار وبإرث عرفات الذي لم يتحول إلى ذكرى بل إلى معيار وستبقى لأن فيها من يفهم أن الوطن ليس فرصة بل قدر.
وستبقى… كما أردتها…
فكرةً تقود لا ظلًا يُقاد.






