نحن في فلسطين نعيش حالة من التيه لا يعرفها أحد… ولا يفهمها أحد… وربما لا نفهمها نحن أيضًا. نحن أبناء هذا الشعب الذي لم يبقَ في يومه شيء ثابت تقريبًا سوى تلك اللحظة القصيرة التي يقرأ فيها الإنسان بهدوء قل هو الله أحد… الله الصمد وكأنها آخر ما تبقى من ترتيبٍ في حياةٍ فقدت ترتيبها.
بعدها يبدأ اليوم الفلسطيني بالحرب … بالقهر…بالقلوب الدامية … بالعيون الباكية …
وأبواب بيوت مغلقة، ليس لأن الناس نيام بل لأن التعب صار أثقل من أن يُحكى. وفي الطرقات رؤوسٌ تصطادها رصاصات عربدة المستوطنين، بينما يقف أبناء هذا الشعب بصدورهم العارية يحاولون حماية ما تبقى من حياةٍ عادية.
وفي وسط كل هذا المشهد القاسي… تمضي الحياة عندنا بطريقة عجيبة جدًا.
حيث لدينا نظام يومي واضح وبسيط:
فصباحًا نهنئ… ومساءً نعزي.
فاليوم مثلًا عطلة رسمية… بمناسبة يوم المرأة العالمي.
ومع أن السخرية في هذا المشهد ليست من المرأة لا سمح الله التي أمجدها واحترمها جدا ولا من هذه المناسبة الكريمة، فالمرأة الفلسطينية أكبر من أن تختصرها مناسبة فهي أم الشهيد وأخت الأسير وزوجة المناضل وهي المعلمة والطبيبة والعاملة والصابرة التي حملت هذا الوطن حين تعب الجميع. ولذلك من الواحب علينا أن نمجدها وأن نكتب عنها وأن نحيّيها كل ساعة وليس فقط في هذا اليوم فكرامتها من كرامة هذا الشعب وكرامته منها .
وبهذه المناسبة على سبيل المثال تتحول الصفحات صباحًا إلى مهرجان من التهاني وكلمات تقدير واحترام للمرأة الفلسطينية التي تستحق كل تكريم في هذا العالم.
لكن فلسطين… كعادتها… تضيف سطرًا آخر في منتصف الصفحة.
فبين منشور تهنئة ومنشور تقدير… يصل الخبر الذي يعرف طريقه دائمًا إلى هذا البلد:
شهداء في أبو فلاح…وشهداء في يطا…
وهنا يبدأ التحول الفلسطيني السريع.
نفس الشخص…نفس الحساب…نفس الهاتف …
الذي كتب صباحًا تهنئة للمرأة الفلسطينية، يعود مساءً ليكتب التعازي.
الزهور الحمراء تتحول إلى شريط أسود.
والكلمات نفسها التي احتفلت بالحياة في الصباح… تواسي الموت في المساء.
وفي تلك اللحظة لا نملك إلا أن نرفع أكف الدعاء مترحمين على أرواح الشهداء الأبطال سائلين الله أن يتغمدهم بواسع رحمته وأن يجعل دماءهم نورًا في طريق هذا الوطن الجريح.
أما الناطقون باسم كل شيء في هذا البلد… فهؤلاء حالة خاصة جدًا.
فهناك ناطق يبدو أن عمره أطول من عمر السنين.
يهنئ…ويعزي … ويشرح ويكرر البيانات
منذ زمن طويل جدًا حتى صار يبدو وكأنه الناطق الرسمي منذ اختراع الأخبار نفسها.
وفي الخارج يمضي الاحتلال في يومه بهدوء، ومستوطن يطلق النار كأنها هواية يومية وجندي يسجل الحادثة في تقرير إداري قبل نهاية الدوام.
أما نحن…
فنواصل حياتنا بين مواكب فارهة وموائد فارغة.
سيارات سوداء مصفحة وطويلة تمر في الشوارع، بينما يجلس الناس في بيوتهم يفكرون بهدوء في سؤال بسيط جدًا: ماذا سنأكل هذا المساء؟
وفي هذا الوطن أيضًا أنواع مختلفة من الرؤوس:
رؤوسٌ تصطادها رصاصات عربدة المستوطنين.
ورؤوسٌ تحميها صدور أبنائنا.
لكن بعض هذه الرؤوس التي تحظى بالحماية تبدو أحيانًا فارغة… أو شبه فارغة، إلا من التفكير في العشاء… وبعض العقاقير التي تساعد على النوم العميق حتى لا يسمع أصحابها صوت هذا الوطن وهو يئن.
أما الإخوة الذين أصبحوا إخوة شياطين فقد نجحوا في شيء واحد على الأقل هو انهم شوّهوا معنى الوطن وأفسدوا علينا صفاء الدين وتركوا الناس حائرة بين الكلمات الكبيرة والواقع الصغير.
حتى صرنا أحيانًا ننظر إلى أنفسنا ونسأل بصدقٍ مربك:
هل ما زلنا على الصراط المستقيم…
أم أننا نقف في الممر الضيق بين المغضوب عليهم والضالين؟
ومع ذلك… سيأتي صباح جديد.
سنستيقظ مرة أخرى وربما نقرأ بهدوء:
قل هو الله أحد… الله الصمد.
وسنفتح الهاتف.
فإن لم يصل خبر شهيد… سنكمل التهاني.
وإن وصل الخبر… سنكتب التعازي ونترحم على الشهداء.
وذلك ليس لأننا بارعون في التناقض
بل لأن الحياة في فلسطين جعلت الفرح والحزن يسكنان اليوم نفسه.
وهكذا تمضي أيامنا ببساطة فلسطينية موجعة
صباح التهاني… مساء التعازي.
وشدي حيلك يا بلد واسرجي خيلك يا فتح






