(فلسطين،اسرائيل)….حق الحق، وقوة الحق من ينتصر
باحث سياسي واجتماعي
ليس الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي صراع حدودٍ أو خرائط فحسب، بل هو صراع فلسفتين متناقضتين على امتلاك أرض واحدة. صراعٌ بين تصورين للوجود، وللمكان، وللحق؛ أحدهما يقوم على القوة بوصفها منتجًا للشرعية، والآخر يقوم على الحق بوصفه جوهر الوجود الإنساني. من هنا، يصبح الصراع أعمق من السياسة وأخطر من الحرب، لأنه صراع على المعنى قبل أن يكون صراعًا على الأرض.
فلسفة الامتلاك: من الحق الطبيعي إلى القوة المجردة
تستند الفلسفة الصهيونية، خصوصًا في تجلياتها اليمينية المعاصرة، إلى مفهوم للامتلاك يتجاوز القانون والتاريخ، ويرتكز على سردية دينية–سياسية تُعيد تعريف الأرض بوصفها وعدًا إلهيًا أو قدرًا تاريخيًا. في هذا التصور، لا يُنظر إلى الأرض كحيزٍ مشترك للعيش الإنساني، بل كملكية حصرية تُبرَّر بالقوة وبإلغاء وجود الآخر.
في المقابل، تنطلق الفلسفة الوطنية الفلسطينية من تصور مختلف جذريًا: الأرض ليست موضوع امتلاك مجرد، بل شرط وجود، وذاكرة جمعية، وعلاقة تاريخية متواصلة بين الإنسان والمكان. فالامتلاك هنا ليس فعل سيطرة، بل فعل انتماء.
الوجود في مقابل الإحلال
يمثل الصراع، في جوهره، مواجهة بين فلسفة الوجود وفلسفة الإحلال. فالإحلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى محو الإنسان الذي يمنحها معناها. ومن هنا، يصبح الفلسطيني في الخطاب الصهيوني كائنًا زائدًا عن الحاجة، أو عائقًا أمام تحقق المشروع.
أما الفلسفة الفلسطينية، فترى الوجود بوصفه فعل حضور مستمر في الزمان والمكان، لا يمكن شطبه بقرار سياسي ولا بإجراء عسكري. فالوجود الفلسطيني ليس طارئًا ولا مستعارًا، بل هو أصلٌ من أصول المكان ذاته.
الأرض بوصفها معنى لا غنيمة
الفرق الجوهري بين الفلسفتين يتجلّى في فهم الأرض:
في الفلسفة الصهيونية: الأرض غنيمة، أو أداة لتحقيق مشروع أيديولوجي.
في الفلسفة الفلسطينية: الأرض معنى، وهوية، واستمرارية تاريخية.
لهذا السبب، تفشل كل محاولات الحل التي تتعامل مع الأرض كمسألة تقنية أو اقتصادية، لأنها تتجاهل بعدها الوجودي والرمزي.
الصراع على الرواية: المعرفة كساحة حرب
لا يقل الصراع المعرفي أهمية عن الصراع الميداني. فقد نجح المشروع الصهيوني في فرض روايته على الوعي الغربي، وتحويلها إلى “حقيقة” سياسية وأخلاقية، بينما جرى تهميش الرواية الفلسطينية وتجريدها من بعدها الإنساني.
إن هذا الصراع على الرواية هو في جوهره صراع فلسفي: من يملك الحق في تعريف التاريخ؟ ومن يملك سلطة المعنى؟
إشكالية العيش على أرض واحدة
إن إمكانية العيش على أرض واحدة لا يمكن أن تتحقق في ظل فلسفة تنفي الآخر وتُقصيه من الوجود. فالعيش المشترك ليس قرارًا سياسيًا فحسب، بل هو نتاج اعتراف فلسفي متبادل بالإنسان والحق والكرامة.
من دون تفكيك فلسفة الامتلاك الإقصائي، ستظل الأرض الواحدة ساحة صراع دائم، لا فضاءً إنسانيًا مشتركًا.
خاتمة
إن صراع فلسفتين على امتلاك أرض واحدة هو صراع بين من يرى الأرض ملكيةً بالقوة، ومن يراها وجودًا بالحق. وبين هذين التصورين، يتحدد مستقبل الصراع وإمكانات السلام. فإما أن تنتصر فلسفة القوة فتستمر المأساة، أو يُعاد الاعتبار لفلسفة الحق، حيث يصبح الإنسان، لا السلاح، مركز المعنى والتاريخ.







