بقلم / غدير حميدان الزبون – فلسطين
من جرحِ زيتونِ الجليل
إلى عُلوِّ الأوراس،
يمتدُّ خيطٌ من نورٍ
تشُدُّهُ يدُ الأرض
بين جبلين.
هنا
تنامُ الحكاياتُ
تحتَ الرماد،
وتصحو
على نبضِ حجر.
وهناك
يظلُّ الصنوبرُ
واقفًا في مهبِّ النار،
كأنَّ الجبالَ
تعلّمتْ من الصمت
كيف تصونُ أسماءَها.
يا جزائر…
جئتُكِ من فلسطين،
وفي يدي
غصنُ زيتونٍ
لم ينحنِ.
جئتُكِ من غزة،
من بحرٍ
يُخبِّئ في ملحه
أسماءَ الغائبين،
ومن يافا،
حيثُ البرتقالُ
ما زال يحفظُ
رائحةَ البيوت،
ومن القدس،
حجرٌ
إذا مسَّه الليل
أوقدَ في العتمة
سراجًا.
جئتُكِ من الجليل،
من زيتونةٍ
غرستْ جذورها
أعمقَ من الخوف،
وقالت للريح:
مرّي…
فلستِ أوّلَ عابرة.
يا جزائر…
في الأوراس
كانت الجبالُ
تكتبُ سيرةَ النار
على جبين الصخر،
وكانت الأقدامُ
تمضي إلى الفجر
ولا تلتفت.
من ترابِ
المليونِ ونصفِ المليونِ شهيد
صعدَتْ
لغةٌ لا تُترجم:
الحرية.
وحين ضاقتِ السماءُ
بصوتهم،
شقّوا لها
في الجبل
طريقًا.
من هناك
وصلتني الحكاية.
ومن هنا
أردُّها إليكِ
بصوتِ الزيتون.
جميلةُ بوحيرد…
كانت قبضةَ نور
في يدِ عتمة،
وكان وجهُها
نافذةً
تطلُّ منها الجزائر
على فجرها.
ومن فجرها
رأينا فلسطين.
وغسان كنفاني…
لم يتركْ لنا
رمادَ الكلمات،
لقد تركَ
جمرةً في الحبر،
كلما نفخَ فيها الغياب
أضاءَتْ جهةً
من الطريق.
يا غسان،
ما زالتِ الكلماتُ
تبحثُ عنك
في الجهاتِ التي أحببتَها،
وما زالتِ الأرضُ
تعرفُ أصحابَها
من وقعِ خطاهم.
يا جزائر…
إنْ اشتعلتْ غابةٌ
لا يعني أنَّ الجبلَ احترق،
ففي قلبِ الصخر
ينامُ المطر،
وفي جوفِ الرماد
بذرةٌ
تنتظرُ يدَ الربيع.
قد يعلو الدخان،
لكنَّ الجذر
أخفضُ من النار.
وقد يطولُ الطريق،
لكنَّ الأرض
لا تنسى
جهةَ الفجر.
لهذا
لا أخافُ عليكِ
من الحريق.
أخافُ فقط
أنْ ننسى
ما الذي أنقذَنا منه.
فالذين عبروا النار
تركوا لنا
سرًّا واحدًا:
لا وطنَ للرماد
فوق أرضٍ
تعرفُ كيف تنبت.
يا جزائر…
بين الأوراس والجليل
ليس الطريقُ مسافة؛
إنه
نبضةُ قلبٍ
تعرفُ قلبًا،
وحجرٌ
يصغي إلى حجر،
وزيتونةٌ
تمدُّ ظلَّها
إلى صنوبرةٍ
في الجهة الأخرى من البحر.
إذا بكى الجليل،
ارتجفَ في الأوراس
وترُ جبل.
وإذا نهضَ الأوراس،
سمعتِ القدس
خطوةَ الفجر.
هكذا
تتعارفُ الأرضُ
من غيرِ خرائط.
وهكذا
تصيرُ الجبالُ
رسائلَ لا تحتاجُ إلى بريد.
يا جزائر…
خذي من فلسطين
غصنَ الزيتون،
وخذي من القدس
حجرًا
تعلمَ الصبر،
وخذي من غزة
قلبًا صغيرًا
يُصرُّ على الحياة.
وأعطينا من الأوراس
قبسًا من عزيمتكِ،
فما أكثرَ ما يحتاجُ الطريق
إلى يدٍ
تعرفُ كيف ترفعُ الراية
من بين الأنقاض.
لا نريدُ لأبنائنا
أنْ يرثوا الحزن
نريدُ أنْ يرثوا
قدرةَ الشجرة
على البدء
من جديد.
وإذا جاءَ الفجر…
فلن يسألَ الشمسَ
من أيِّ جهةٍ خرجتْ.
ستفتحُ ذراعيها
للجميع،
وتعرفُ أنَّ الذين
مرّوا من النار
كانوا يبحثون
عن المعنى نفسه:
أن يعيشَ الإنسان
حرًّا
تحتَ سماءٍ
لا تُصادرُها البنادق.
هذه صلاتي،
يا جزائر:
من زيتونةٍ
في الجليل
إلى صنوبرةٍ
في الأوراس،
من قلبِ فلسطين
إلى قلبِ الجزائر،
سلامٌ
على أرضٍ
أنجبتْ أبناءَها
ولم تتخلَّ عنهم.
سلامٌ
على أمٍّ
تُخبِّئ أسماءَ أبنائها
في دعائها،
وعلى طفلٍ
يرسمُ شمسًا
فوق بيتٍ
لم يبقَ منه
إلا نافذة.
سلامٌ
على كلِّ يدٍ
رفعتْ الترابَ
عن وجهِ غائب،
وعلى كلِّ قلبٍ
رفضَ أنْ يجعلَ من الفقد
نهايةً للحكاية.
يا جزائر…
إنْ كان للجبلِ لسان،
فسيقول:
مررنا من النار
فلم نكنْ رمادًا.
وإنْ كان للزيتونِ صوت،
فسيقول:
كلُّ ما اقتلعوه من الأرض
تركَ جذورَه فينا.
وإنْ كان للفجرِ عهد،
فسيقول:
لن أتأخر.
ومن الأوراس
إلى الجليل،
سيظلُّ في الأرض
سرٌّ واحد:
أنَّ الجذورَ
أبقى من النار،
وأنَّ الجبالَ
أعلى من الغزاة،
وأنَّ الشعوبَ
إذا حفظتْ أسماءَها
لا تموت.
يرويه الجليل…
يحفظه الأوراس…
وتحمله الريح
من جبلٍ
إلى جبل،
حتى يصلَ
إلى آخرِ طفلٍ
في هذا العالم،
فيعرفُ أنَّ الحرية
قلبٌ
لا يقبلُ الانطفاء.