في زمن تكثر فيه الأقوال وقلَّة الفعل، وتتناسل فيه التحليلات من بروج عاجية، يقف المرء حائراً أمام جرأة البعض في تقييم مسيرة هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى التنظيم السياسي. حركة فتح ليست مجرد حروف تتدافع على الورق، ولا شعارات ترفع في المناسبات، إنها دماء تسكن عروق أمة، وذاكرة جماعية حملت آلام شعب وطموح أمة. هذا المقال ليس دفاعاً عن مثاليين معصومين، بل هو إضاءة على مسيرة لم يكتبها مؤرخون في مكاتب مكيفة، بل كتبتها دماء الشهداء في جبال نابلس ووديان الجنوب ومدن المنفى. في العقد الثاني من القرن العشرين، حين كانت فلسطين تلفظ أنفاسها تحت وطأة الاحتلال البريطاني والهجرة الصهيونية الممنهجة، كانت النخبة الفلسطينية تعيش حالة من التشتت والبحث عن هوية. لكن شرارة التغيير الحقيقية انطلقت من أماكن أبعد – من المخيمات والجامعات في الشتات. عام 1957، في الكويت، التقى خمسة شبان فلسطينيين يحملون أحلاماً أكبر من أجسادهم: ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وفاروق القدومي، وخالد الحسن. كانوا مختلفين في الخلفيات والطباع،
لكنهم اتفقوا على شيء واحد: أن تحرير فلسطين لن يأتي بالمؤتمرات والبيانات، بل بالبندقية والإرادة. ما إن أعلنت الحركة عن نفسها عبر بيانها الأول في الأول من يناير 1965، حتى بدأت مسيرة من التحدي. لكن اللحظة الفارقة جاءت في 21 مارس 1968، في معركة الكرامة بالأردن.
هناك، حيث اعتقدت القوات الإسرائيلية أنها قادمة لسحق “عصابات” صغيرة، فوجئت بمقاومة أسطورية. لم تكن معركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة نفسية أعادت للفلسطيني كرامته، وللأمة العربية أملها. قال أحد الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في المعركة: “كنا نظننا نذهب إلى مناورة عسكرية،
ووجدنا أنفسنا في جحيم لم نكن مستعدين له”. رجال صنعوا التاريخ ولم ينتظروا مجداً: خليل الوزير (أبو جهاد) كان مهندس الانتفاضة، لم يكن الرجل يحب الأضواء، بل كان يعمل في الظل كخبير عسكري ومخطط استراتيجي. كان أبو جهاد العقل التنظيمي الذي حوَّل الحماس الثوري إلى آلة مقاومة منظمة. اغتالته إسرائيل في تونس عام 1988، لأنه أدركت أنه الرأس المدبر للانتفاضة الأولى. صلاح خلف (أبو إياد) كان عقل الأمن والاستخبارات، صاحب مقولة “الثورة مثل الحب، لا تحسب بالكيلو ولا بالمتر”. كان أبو إياد عمود الخيمة الأمنية، بنى أجهزة استخباراتية تنافس كبريات الأجهزة العالمية. اغتيل هو ورفاقه في يناير 1991، لكن منظومته الأمنية ظلت درعاً للقضية. هايل عبد الحميد (أبو الهول) كان أسد معركة المخيمات، قائد عسكري من الطراز الفريد، قاد معركة الدفاع عن مخيمات صبرا وشاتيلا خلال اجتياح بيروت 1982، وأصبح رمزاً للمقاومة الباسلة. هؤلاء لم يكونوا سياسيين يتقنون فن الخطابة فقط، بل كانوا مقاتلين ينامون على الأرض ويأكلون مما تجود به الأرض، ويخططون للتحرير وهم يحملون رائحة البارود على ثيابهم. أما ياسر عرفات، أو “أبو عمار” كما عرفه رفاقه وشعبه، فقد بدأ مهندساً في الكويت، وانتهى رمزاً عالمياً للقضية الفلسطينية. شخصيته الفريدة جمعت بين المرونة السياسية والصلابة الثورية. كان بإمكانه أن يقبل بالمناصب الوزارية في دول عربية غنية، لكنه اختار حياة المطاردة والثورة. لحظة دخوله قاعة الأمم المتحدة عام 1974 وهو يحمل غصن زيتون وبندقية، كانت لحظة فارقة في تاريخ الدبلوماسية العالمية. قال للعالم: “جئت حاملاً غصن الزيتون في يد والبندقية في اليد الأخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي”.
كانت الرسالة واضحة: نحن نحب السلام لكننا لن نتنازل عن حقنا في المقاومة. ربما كانت أقسى لحظات أبو عمار حين حوصر في المقاطعة برام الله لمدة 34 شهراً. لكن حتى تحت الحصار، كان يصمد كالجبل. زاره وفد برلماني إسرائيلي مرة فقال لهم: “أنتم محاصروني في غرفتين، لكن كل فلسطيني يحمل فلسطين في قلبه،
فهو ليس في سجن”. مسيرة التفاوض كانت محطة أخرى في تاريخ فتح؛ قرار منظمة التحرير الاعتراف بالقرار 242 وإدانة الإرهاب عام 1988، لم يكن استسلاماً بل كان نقلة واقعية. ثم جاءت اتفاقيات أوسلو 1993 التي حملت أبو عمار وإسحق رابين إلى مصافحة تاريخية. كان أبو عمار يدرك أن أوسلو ليست حلاً نهائياً، بل محطة في طريق طويل. الانتقال من حركة تحرير إلى سلطة حكم كان من أصعب التحولات. فتح التي اعتادت على حرب العصابات، اضطرت لتعلم فنون الحكم والإدارة وسط ظروف معقدة وحرب أهلية مكتومة. لم تكن مسيرة فتح ممهدة بالورود، فمنذ اغتيال أبو جهاد وأبو إياد، بدأت الخلافات تظهر.
لكن الانقسام الحقيقي جاء بعد وفاة أبو عمار عام 2004، وتصاعد الخلاف مع حماس الذي انفجر في صيف 2007 بانقسام غزة والضفة. هنا واجهت فتح اختباراً وجودياً: كيف تحافظ على الوحدة الوطنية وهي تفقد السيطرة على جزء من أرضها؟
اليوم، وقد تجاوزت الحركة نصف قرن من الكفاح، تواجه تحديات جساماً:
كيفية الحفاظ على الوحدة الداخلية بين أجيال مختلفة: جيل المخيمات وجيل الدبلوماسية، كيفية موازنة خيار المقاومة مع واقع السلطة، كيفية تجديد الخطاب السياسي لجيل الشباب الذي لم يعش زمن الثورة، كيفية الحفاظ على الشرعية التاريخية في مواجهة حركات جديدة. لننصت قليلاً.. هل تسمعون ذلك الصوت؟ إنه صوت رصاصة أول فدائي، صوت دبابة تحترق في الكرامة، صوت أبو عمار وهو يخاطب الأمم المتحدة، صوت طفل يرفع علم فلسطين على الحاجز. هذه الأصوات هي فتح. نعم، لفتح أخطاؤها، وثغراتها، وهزائمها أيضاً.
لكن من يجرؤ على إنكار أنها: حولت الفلسطيني من لاجئ إلى مقاتل، حولت القضية من قضية إنسانية إلى قضية سياسية عالمية، أنزلت القضية من السماء إلى الأرض، من الشعارات إلى التفاصيل، قدمت أكثر من 30 ألف شهيد. يقول المثل الفلسطيني:
“اللي بيعرفك إزَا بتقدر تشتري، واللي ما بيعرفك إزَا بتقدر تبيع”. الذين ينتقدون فتح اليوم، ينسون أنها لم تكن يوماً خياراً بين الجيد والأفضل، بل كانت خياراً بين الوجود والعدم.
صمتاً.. إنها فتح. صمتاً.. فهي لم تكن يوماً حركة سياسية عادية، بل كانت رحلة شعب نحو الحرية، كتبت فصولها بدماء أطهر من أن تنالها أقلام المتحاملين، وأقدس من أن تمسها ألسنة المتنطعين. لتبقى فتح شامخة كجبل جرزيم، صامدة كأشجار الزيتون، تروي بذورها دماء الشهداء






