السياسي -متابعات
تتجه فرنسا وألمانيا إلى مواجهة سياسية جديدة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تعريف شعار “صنع في أوروبا”، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تشديد سياستها الصناعية وحماية القطاعات الأوروبية الرئيسية من المنافسة الخارجية.
وتناقش دول الاتحاد الأوروبي اليوم قانون تسريع الصناعة، وسط خلافات حول نطاق الأفضلية التي يمكن منحها للشركات والمنتجات الأوروبية في الدعم الحكومي والعقود العامة، ولا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا النظيفة، بحسب “فايننشال تايمز”.
وتريد رابطة صناعة السيارات الأوروبية منح الأفضلية للمنتجات الأوروبية في المشتريات الحكومية والدعم الموجه إلى قطاعات استراتيجية، لكن عواصم أوروبية تختلف حول الدول التي ينبغي أن يشملها تعريف “أوروبا”.
وتبرز في هذا النقاش مسألة شركاء التجارة الحرة، مثل المملكة المتحدة وكندا واليابان، إلى جانب دول مرتبطة بالاتحاد الجمركي، مثل تركيا. وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى إن هناك “اهتماماً كبيراً بالنطاق الجغرافي” للتعريف المقترح.
ومن المقرر أن يناقش الدبلوماسيون القضية رسمياً في السابع من أكتوبر، إلا أن اجتماع وزراء الصناعة اليوم يمنح العواصم فرصة لتحديد الموقف السياسي قبل بدء المفاوضات الرسمية.
وقال وزير الصناعة الفرنسي سيباستيان مارتن للصحفيين يوم الثلاثاء: “الاتحاد الأوروبي هو الاتحاد الأوروبي بـ27 دولة. هذه هي نقطة البداية”.
في المقابل، تدعم ألمانيا نهجاً أوسع، وفق ورقة موقف اطلعت عليها صحيفة “فايننشال تايمز”، بحيث يُعامل شركاء التجارة الحرة وأعضاء الاتحاد الجمركي، مثل تركيا، “من حيث المبدأ، معاملة المنتجات ذات المنشأ الاتحادي”.
وتخشى بعض الدول الأعضاء أن يؤدي توسيع تعريف “أوروبا” إلى إضعاف أهداف السياسة الصناعية الأوروبية وفتح الباب أمام التحايل على القواعد. وأشار دبلوماسيون إلى أن استثمارات الشركات الصينية في تركيا، على سبيل المثال، قد تقوض هدف تعزيز التصنيع داخل أوروبا إذا اعتُبرت المنتجات المصنعة هناك أوروبية.
وتدافع ألمانيا عن موقف أكثر انفتاحاً، معتبرة أنه “ليس من مصلحتنا الاقتصادية إغلاق الأسواق أمام بعضها البعض”.
وفي محاولة لكسر الجمود، تعمل إسبانيا، وفق ما ذكره عدد من الدبلوماسيين، على إعداد اقتراح جديد يمكن أن يساعد في تحديد الشركاء التجاريين الذين سيشملهم التعريف.
ويأتي الخلاف في وقت تتوسع فيه مناقشات الاتحاد الأوروبي حول مستقبل سياسته الصناعية، بعد سنوات من التركيز على التجارة الحرة. ومن شأن الاتفاق على تعريف “صنع في أوروبا” أن يترك أثراً يتجاوز القانون الحالي، مع توجه الاتحاد إلى تبني سياسة صناعية أكثر حزماً.
كما يتداخل هذا النقاش مع الجدل حول مستقبل السيارات ذات محركات الاحتراق، إذ تبحث فرنسا وألمانيا أيضاً مسألة التخلص التدريجي من هذه المحركات بحلول عام 2035.
وقال مارتن إن فرنسا مستعدة لأن تكون “مرنة” بشأن الموعد، إذا كان هناك “صنع في أوروبا” حقيقي.
وفي بولندا، قال نائب وزير الصناعة ميخال بارانوفسكي إنه يؤيد “نهجاً متوازناً” يأخذ في الاعتبار “علاقاتنا المهمة مع الشركاء التجاريين”، مضيفاً: “أعتقد أن هذا هو ما سننتهي إليه في نهاية المطاف”.
أشباه الموصلات على جدول الأعمال
ويناقش وزراء الصناعة الأوروبيون أيضاً قانون الرقائق 2.0، الذي يستهدف تعزيز صناعة أشباه الموصلات داخل أوروبا وتقليل الاعتمادات الاستراتيجية على الخارج.
وبحسب وثيقة تحضيرية اطلعت عليها “فايننشال تايمز”، تسعى أيرلندا، التي تتولى رئاسة المناقشات، إلى الحصول على توجيه سياسي من العواصم الأوروبية بشأن كيفية “تحقيق التوازن الأمثل بين السيادة التكنولوجية والقدرة التنافسية الاقتصادية والتعاون الدولي في تطوير النظام البيئي لأشباه الموصلات”.
ويعكس ذلك اتساع نطاق النقاش الأوروبي حول مفهوم الاستقلال الصناعي، من السيارات والبطاريات إلى الرقائق والتكنولوجيا النظيفة، في وقت تحاول فيه دول الاتحاد تحديد الحدود بين حماية الإنتاج الأوروبي والحفاظ على العلاقات التجارية مع الشركاء الخارجيين.
انتقادات لرفع العقوبات عن أوليغاركيين روس
وفي ملف آخر، انتقد مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس قرار رفع العقوبات عن اثنين من رجال الأعمال الروس، معتبراً أن الخطوة “ليس إشارة جيدة”.
وكان سفراء الاتحاد الأوروبي قد رفعوا هذا الأسبوع القيود المفروضة على أليشر عثمانوف وميخائيل فريدمان، ما أثار مخاوف بشأن مستقبل نظام العقوبات الأوروبية المفروض على روسيا.
وقال كوبيليوس: “أعتبر ذلك ليس القرار الأفضل حقاً”، لكنه أشار إلى جانب آخر من التغيير، يتمثل في تمديد دورة تجديد العقوبات لتصبح كل ثلاث سنوات بدلاً من ستة أشهر.
وطالبت فرنسا برفع اسم عثمانوف من قائمة العقوبات في إطار صفقة سرية لإطلاق سراح سجناء شملت أذربيجان. وفي الوقت نفسه، دافعت لوكسمبورغ عن فريدمان، الذي رفع دعوى قضائية ضدها للمطالبة بتعويضات قدرها 16 مليار دولار.
ويُعد عثمانوف وفريدمان من أغنى الروس الذين أزيلوا من قائمة العقوبات، وذلك بعد خطوة أخرى في يوليو تمثلت في تخفيف القيود المفروضة على الغاز لإرضاء اليونان.
ورفض كوبيليوس المخاوف المتعلقة بما وصف بإرهاق الحرب داخل بعض الدول الأعضاء، لكنه أقر بوجود قلق في بولندا ودول أخرى مجاورة لأوكرانيا بشأن تكلفة استمرار دعم كييف، في ظل تأثير الهجمات الهجينة الروسية على الرأي العام.
وقال إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى “مناقشة جادة حول استراتيجيتنا لكيفية إنهاء هذه الحرب.. السلام من خلال القوة عن طريق تعزيز أوكرانيا”.
ويرى كوبيليوس أن التطورات الأخيرة المتعلقة بالعقوبات يمكن أن تمنح زخماً جديداً للمطالبات باستبدال مبدأ الإجماع في قرارات السياسة الخارجية، بما فيها العقوبات، بالتصويت بالأغلبية المؤهلة.
وأشار إلى أن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين طرحت الفكرة في خطابها عن حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، عندما قالت إن مؤسسات الاتحاد وآليات اتخاذ القرار، خصوصاً في السياسة الخارجية والأمنية، “قد تم إنشاؤها خلال فترة السلم، وهي الآن غير مناسبة للظروف المتغيرة”.