ضرورة البحث عن مركبة فضائية… لفهم أصحاب المعالي

بقلم: شادي عياد

يبدو أن الوقت قد حان فعلًا لأن نبدأ البحث الجدي عن مركبة فضائية. لا لنهرب من الأرض بل لنفهم ما يجري عليها. فبعد التصريح العبقري لأحد أصحاب المعالي بأن حلول الأرض قد انتهت أمام مشاكل الشعب الفلسطيني وأننا ننتظر حلول السماء، أدركنا أننا أمام مرحلة سياسية جديدة: مرحلة الإدارة الفضائية للأزمات الأرضية.

وبصراحة إذا كانت حلول الأرض قد انتهت فعلًا فمن الطبيعي أن نتساءل:
هل قرار عودة الطلاب إلى التعليم الوجاهي الذي صدر أمس جاء ضمن برنامج الحلول السماوية؟
هل نزل به وحي إداري؟
أم أنه سقط علينا مع أول منخفض جوي بين المطر والبرد كرسالة عاجلة من الفضاء؟
نحن شعب بسيط يا أصحاب المعالي نفكر بطريقة أرضية جدًا. نرى الطرق المقطوعة بالجيش بالحواجز ونرى عربدة المستوطنين القتلة ونرى جنازات الشهداء الأبرياء ونسمع كل يوم عن مخطط جديد لــضم الضفة ونعيش الغلاء الذي يطارد لقمة العيش ونعد الأيام بين راتب مبتور وفاتورة لا ترحم. لذلك لم يخطر في بالنا أن الحلول قد غادرت الأرض بالفعل وصعدت إلى السماء.

وفوق كل ذلك هناك الصواريخ التي لا تتوقف أخبارها عن ملاحقة أعصاب الناس ولا يتوقف سقوطها فوق رؤوس الناس، صواريخ تسبقها الأخبار وتترك في البيوت قلقًا يوميًا لا يهدأ. وفي هذا المشهد المرتبك يصبح السؤال أكثر بساطة: كيف يمكن لأب أن يفكر في الغد المدرسي لأبنائه بينما يفكر في الطريق وفي الخبز والخوف وفي الأخبار التي لا تتوقف؟

ثم هناك التفصيل الأرضي الصغير الذي ربما لم يصل بعد إلى المدار الفضائي: الأقساط المدرسية. نعم تلك الفاتورة التي تذل الآباء وتلاحقهم مثل ظلهم. فالأب الفلسطيني مطالب أن يدفع القسط ويؤمّن الطريق ويهدئ الخوف ويشرح لأبنائه لماذا تبدو الحياة أحيانًا وكأنها اختبار صبر طويل. وربما بما أن الحلول الأرضية قد انتهت كما قيل لنا فنحن بحاجة إلى مركبة فضائية خاصة تبحث لنا في المجرات عن مصادر جديدة للطاقة المالية لأن الجيوب الأرضية أصبحت للأسف ومنذ ثلاث سنوات كواكب منطفئة.

ربما المشكلة فينا نحن فربما نحن لم نفهم بعد أن بعض المسؤولين يعيشون في مدارات أعلى من مدار المواطن العادي. مدارات فيها الجاذبية مختلفة والهواء مختلف والواقع مختلف. فهناك في ذلك المدار البعيد لا تُرى الحواجز بوضوح ولا تُسمع صرخات الناس في طوابير الانتظار ولا تبدو أخبار الاستيطان والضم إلا نقاطًا صغيرة على شاشة بعيدة.

وهنا تبدأ الفكرة العبقرية:
فلنبحث عن مركبة فضائية.

ليس للسياحة طبعًا بل لملاحقة أصحاب المعالي في مداراتهم الكونية. ربما إذا وصلنا إليهم هناك بين النجوم نستطيع أن نشرح لهم بعض التفاصيل الأرضية الصغيرة: مثل أن الطالب الذي سيذهب إلى مدرسته قد يمرّ على ثلاثة حواجز وأن الأب الذي يودّعه صباحًا قد لا يكون مطمئنًا أصلًا إلى الطريق وأن الموظف الميت مع وقف التنفيذ والذي يراقب الأخبار كل ساعة لم يعد يحتمل المزيد من القلق.

وسنحمل معنا أيضًا قائمة صغيرة بالمشكلات الأرضية التي يبدو أنها لم تصل بعد إلى الفضاء:
إبادة غزة وعربدة المستوطنين وتوسيع الاستيطان ومشاريع الضم وفساد الفاسدين و
الصواريخ التي تبقي القلوب معلّقة بين خبر وخبز وخبر و
الأقساط المذلة التي تلاحق جيوب وقلوب الآباء
والغلاء الذي ينهش ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال.

وربما فقط واقول ربما إذا عرضنا هذه القائمة في المدار الفضائي الذي يدور فيه بعض أصحاب المعالي سيكتشفون أن الأرض ما زالت مليئة بالمشكلات التي تحتاج حلولًا أرضية لا انتظار إشارات من السماء.

أما نحن فسنواصل البحث عن تلك المركبة الفضائية.
ليس لأننا فقدنا الأمل بالأرض بل لأننا نحاول فقط أن نفهم كيف أصبح هذا التباين الهائل بين حياة الناس على الأرض وحياة بعض المسؤولين الذين يبدو أنهم يحلّقون بعيدًا عنها.

وحتى نجد تلك المركبة سنبقى نرفع رؤوسنا نحو السماء لا انتظارًا للحلول هذه المرة بل لعلّنا نلمح أصحاب المعالي وهم يدورون في مداراتهم الهادئة بعيدًا عن صخب الأرض وتعبها.

وفي كل الأحوال لا يسعنا إلا أن نقول:
الله يعطيكم ألف عافية يا أصحاب المعالي.
استمروا في التحليق… ونحن سنبقى هنا على الأرض ننتظر هبوط المركبة يومًا ما.
وشدي حيلك يا بلد واسرجي خيلك يا فتح