جاري التحميل...

عبد الرحمن بوقاف وفلسطين: حين انحازت الفلسفة إلى الإنسان

بقلم: د . صالح الشقباوي

حين أستعيد اليوم صورة أستاذي البروفيسور عبد الرحمن بوقاف، لا أستعيد فقط أستاذ الفلسفة الذي علّمنا قراءة هيغل، والنظر في جدلية التاريخ، ومساءلة النصوص والمفاهيم، وإنما أستعيد قبل ذلك المثقف الذي كان يرى أن الفلسفة موقف من الإنسان، وأن العقل لا تكتمل قيمته إذا انفصل عن الحرية والعدالة.
لقد كان بوقاف واحداً من أبرز وجوه الفلسفة الجزائرية المعاصرة، وقد ارتبط مشروعه الفكري بفكرة التنوير وتحرير العقل وإنتاج النص القادر على فتح المستقبل، لا بإعادة إنتاج النصوص المغلقة. وقد وصف مشروعه الفلسفي بأنه يسعى إلى بناء وعي نقدي يتجاوز العطالة الفكرية، ويؤسس لقيم الحرية والمواطنة والعقلانية وحقوق الإنسان.
ومن هنا أفهم موقفه من فلسطين.
فلسطين في الوعي الأخلاقي لبوقاف
لم تكن فلسطين عند عبد الرحمن بوقاف مجرد قضية سياسية تقع خارج حدود الفلسفة، بل كانت ـ في شهادتي عنه ـ اختباراً حقيقياً لمعنى الفلسفة نفسها.
فإذا كانت الفلسفة بحثاً عن الحقيقة، وإذا كان التنوير تحريراً للعقل من الوهم والاستبداد، وإذا كانت الحداثة لا تستقيم إلا بالحرية والكرامة الإنسانية، فإن فلسطين تصبح سؤالاً فلسفياً بامتياز:
كيف يمكن للفكر أن يتحدث عن الحرية بينما يُسلب شعبٌ حريته؟
وكيف يمكن للعقل أن يدافع عن حقوق الإنسان ثم يصمت أمام اقتلاع الإنسان من أرضه؟
هذه الأسئلة هي التي جعلت موقف بوقاف من فلسطين متصلاً بمشروعه الفلسفي العام، لا منفصلاً عنه.
وقد ورد في شهادة منشورة عنه أنه كان ينظر إلى فلسطين بوصفها قضية تحرر إنساني قبل أن تكون قضية سياسية، وأنه كان يرى أن الاحتلال لا يكتسب الشرعية لمجرد محاولته تغليف وجوده بمقولات فلسفية أو قانونية. كما تنسب إليه تلك الشهادة نقد توظيف بعض المفاهيم الفلسفية الغربية، ومنها الجدل الهيغلي، لتبرير المشروع الصهيوني.
وهنا تكمن أهمية بوقاف: لقد رفض أن تتحول الفلسفة إلى محكمة تمنح القوة حقاً لا تستحقه.
هيغل وفلسطين
كان بوقاف متخصصاً في فلسفة هيغل، وقد حصل على الدكتوراه من جامعة جورج واشنطن حول موضوع وحدة الإنسان في فلسفة هيغل الشاب.
وهذا يجعل علاقته بفلسطين ذات دلالة فلسفية خاصة.
فهو لم يتعامل مع هيغل بوصفه نصاً مقدساً مغلقاً، بل كان ينظر إلى الفلسفة باعتبارها مجالاً للنقد وإعادة القراءة. وهذا يتوافق مع رؤيته الأوسع للفلسفة بوصفها ممارسة نقدية لا مجرد تكرار لما قاله السابقون. وقد وصف أحد الدراسات المنشورة مشروعه بأنه ينطلق من الفلسفة بوصفها قراءة نقدية للنصوص، وأن وظيفتها الأساسية هي إعادة النظر في المفاهيم والرؤى.
ومن هنا يمكن فهم اعتراضه على أي قراءة تجعل من التاريخ الفلسفي أداة لتبرير الاستعمار أو الاقتلاع.
فالتاريخ عند هيغل ليس مجرد سلسلة من الوقائع، وإنما حركة وصيرورة وتناقض.
وفلسطين، في الوعي البوقافي، ليست أرضاً خارج التاريخ، ولا شعباً فائضاً عن التاريخ.
الفلسطيني هو صاحب تاريخ، وصاحب ذاكرة، وصاحب وجود.
وهنا يصبح الصراع على فلسطين أيضاً صراعاً على من يملك حق كتابة التاريخ ومن يملك حق تعريف الإنسان.
الفيلسوف لا يقف خارج الألم
تعلمنا من بوقاف أن الفيلسوف لا ينبغي أن يكون مجرد مراقب بارد للعالم.
الفلسفة ليست برجاً عاجياً.
إنها قدرة العقل على اكتشاف التناقض، ثم مساءلته.
ولهذا فإن فلسطين بالنسبة إلى بوقاف كانت امتحاناً للضمير الفلسفي: هل يستطيع العقل أن يرى الإنسان الفلسطيني إنساناً كاملاً في حريته وكرامته وحقه في وطنه؟
كان جوهر مشروعه التنويري قائماً على بناء الإنسان المفكر، وعلى تجاوز العقل المنغلق والدوغمائي، وعلى البحث عن نص جديد يؤطر قيم الحرية والمواطنة والعقلانية وحقوق الإنسان.
ومن هذه الزاوية، فإن الدفاع عن فلسطين لم يكن خروجاً عن فلسفته، بل كان امتداداً طبيعياً لها.
فلسطين والجزائر: ذاكرة التحرر
وفي الجزائر تحديداً، لا يمكن فصل الوعي بفلسطين عن الذاكرة التاريخية للتحرر الوطني.
فالجزائري الذي عاش تجربة الاستعمار والثورة والتحرير يدرك أن الاستعمار ليس فقط وجوداً عسكرياً؛ إنه أيضاً محاولة لإعادة تعريف الأرض والإنسان والتاريخ.
ولهذا بقيت فلسطين في الوعي الجزائري مرتبطة بمعنى التحرر.
وبوقاف، باعتباره مفكراً جزائرياً تنويرياً، كان يرى أن وظيفة الفكر ليست أن يبرر الواقع القائم، بل أن يسأل عن إمكان تجاوزه.
وهنا تلتقي الجزائر بفلسطين في سؤال واحد:
كيف يتحول الإنسان من موضوع للتاريخ إلى ذات تصنع تاريخها؟
أستاذي بوقاف… فلسطين التي بقيت في الذاكرة
وأنا أكتب اليوم عن أستاذي، لا أريد أن أحوّل موقفه من فلسطين إلى شعار سياسي، ولا أن أحمّل فلسفته ما لم تقله.
بل أريد أن أقول شيئاً أبسط وأعمق:
لقد كان عبد الرحمن بوقاف يؤمن بأن قيمة الفكر تُقاس بقدرته على الدفاع عن الإنسان.
ومن هنا كان موقفه من فلسطين جزءاً من أخلاق الفيلسوف.
لقد علّمنا أن العقل الذي لا يسأل عن الإنسان يتحول إلى آلة، وأن المعرفة التي لا تنتصر للحرية تفقد جزءاً من معناها، وأن الفلسفة التي تخاف من السؤال تتحول إلى عقيدة مغلقة.
رحل أستاذ الفلاسفة، لكن الأسئلة التي زرعها فينا لم ترحل.
وسيظل السؤال الفلسطيني واحداً من أكبر الأسئلة التي تواجه العقل الإنساني المعاصر:
هل يستطيع العالم أن يتحدث عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، بينما تبقى فلسطين شاهدة على عجز هذه المبادئ عن أن تصبح واقعاً؟
لقد كان عبد الرحمن بوقاف يرى أن الفلسفة ينبغي أن تفتح الطريق أمام الإنسان نحو المستقبل.
وفلسطين، في هذا المعنى، ليست فقط قضية شعب يبحث عن دولته.
إنها أيضاً اختبار للضمير الإنساني، واختبار للعقل، واختبار للفلسفة نفسها.
رحم الله أستاذي البروفيسور عبد الرحمن بوقاف.
رحل الجسد، وبقي السؤال.
وبقيت فلسطين.
وبقي الإنسان.