جاري التحميل...

عبقرية مُقموعة: جدلية التعليم والحرية الفكرية:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

كم من عقل عظيم أُهين في قاعة درس ضيقة، لم يُرَ فيها الطالب إلا من منظور التحصيل الرقمي والامتثال الصارم، فيما كان في باطنه نبض عبقرية تنتظر الشرارة لتتوهج؟ وكم من شرارة إبداعٍ أُطفئت في مهدها، لأن النظام التعليمي لم يُؤهّل نفسه إلا لقياس منسوب الطاعة، لا منسوب الخيال والتمرد والإبداع؟
إن هذه الظاهرة ليست محصورة في تجربة فردية، بل هي انعكاس لمأزق اجتماعي وثقافي وفكري أعمق. فقد أشار جان جاك روسو إلى أن الإنسان يولد حراً، وأن التعليم يجب أن يكون وسيلة لا قيداً، وأن غياب الحرية في التعلم يحول الفطرة الإبداعية إلى مطاوع مطواع، يختزل الوجود في مجرد اكتساب مهارات روتينية. وفي السياق ذاته، يذكّرنا جون ديوي بأن المدرسة ليست مجرد مكان لحفظ المعلومات، بل فضاء للحوار والتجربة، ولزرع القدرة على التفكير النقدي والابتكار، وأن إخفاق المؤسسات التعليمية في ذلك يعني إخفاق المجتمع كله في صناعة أجيال قادرة على التغيير.
في العالم العربي، يُشير محمد عابد الجابري إلى أزمة العقل العربي الحديثة، حين تُختزل المعرفة في الحفظ والتقليد، وتُهمل القدرة على الاجتهاد والاستنباط، فتتبدد الطاقات الفكرية في نظام يُعلّم كيف يُسكت السؤال أكثر مما يُعلّم كيف يُطرح. أما في السياق الغربي، فقد ركّز ميشيل فوكو على العلاقة بين السلطة والمعرفة، مؤكداً أن المؤسسات التعليمية كثيراً ما تعمل كآلات للرقابة والتهذيب الاجتماعي، وليس كفضاءات للتحرر الفكري، ما يفضي إلى إخضاع الإبداع الفردي لمعايير السيطرة والانضباط.
من منظور اجتماعي، فإن قمع العقول المبدعة يولّد مجتمعاً استهلاكياً مقيداً، يعيد إنتاج الطاعة بدل الحرية، والامتثال بدل التمرد المنتج. ووفق علم الاجتماع التربوي، فإن الإبداع والخيال يمثلان محركَي التطور الاجتماعي والثقافي، وأي محاولة لإخمادهما تؤدي إلى جمود المجتمع وتراجع قدرته على الابتكار والتجديد، وهو ما لاحظه إميل دوركايم حين وصف المؤسسات الاجتماعية التي لا تُعلي قيمة الفردانية والتميّز بأنها تُضعف الروابط بين الفرد والمجتمع، وتحدّ من قدرة المجتمع على التغيير الذاتي.
تربوياً، يحتاج التعليم إلى إعادة بناء فلسفة العقل، بحيث يُصبح المتعلم شريكاً في صناعة المعرفة، لا مجرد مستهلك لها. يجب أن تُعطى الشرارة الأولى للإبداع مساحة لتتوهج، وأن يُكافَأ الفضول الفكري لا الطاعة الجامدة. إن تعزيز القدرة على التفكير النقدي، وتشجيع روح التساؤل، وتمكين الطلاب من مواجهة المجهول، هي شروط أساسية لصناعة جيل قادر على التغيير الاجتماعي والابتكار الثقافي والفكري.
وفي النهاية، فإن الاعتراف بعبقرية الفرد وتحريرها من قيود المنهجية الصارمة ليس رفاهية تربوية، بل واجب أخلاقي واجتماعي وفلسفي. فالعقل المبدع ليس ملكاً للنظام أو المؤسسة، بل ملكٌ للإنسانية نفسها، وطمس شرارته مساهمة في إطفاء نور التطور والتقدم. وكما قال ألفريد نورث وايتهيد: “التعليم الحقيقي ليس ملء وعاء، بل إشعال نار”، فإذا كانت النيران تُخمد قبل أن تتوهج، فإن العالم يخسر كل ما يمكن أن يكون أعظم.