إياد خليفة
اللقاء الذي جمع قياداتٍ وازنة من حركة فتح بنظرائهم في تيار الإصلاح الديمقراطي في مصر مؤخراً ليس الأول؛ فقد التقى إخوةُ السلاح والنضال والمفاوضات سابقاً سرّاً وفي عدة مناسبات على أرض الإمارات العربية المتحدة، بحسب عدة مصادر خاصة.
يعرف كل طرف نظيره حق المعرفة، فقد اجتمع “الأعدقاء” في الخنادق والمنافي، وعلى طاولة المفاوضات مع الاحتلال، وخاضوا معركة كسر عظم معه على مدار سنوات. وكانوا طوال عقود مضت كتفاً إلى كتف في التصدي لمخططاته العسكرية والسياسية والإعلامية، إلى أن فرقتهم السياسة -وربما المصالح- ورَمَت بكل طرفٍ على شاطئ، يتصل بالآخر عبر الشتائم وتبادل الاتهامات وإفشال المآرب والأهداف.
يعود الطرفان للقاء اليوم على أرضية البحث عن المصالح المشتركة؛ فحركة فتح التي تمر بأحرج منعطفاتها، تعاني أزماتٍ داخلية وانقسامات وصلت إلى عمودها الفقري في اللجنة المركزية، على وقع أزمات سياسية ومالية. فيما يبحث تيار الإصلاح الديمقراطي عن موطئ قدم له بشكل رسمي وشرعي في فلسطين، ونافذة للعودة عبر صناديق الاقتراع وأصوات الفلسطينيين في الانتخابات التشريعية المزمع إقامتها في نوفمبر المقبل.
على مدار سنوات طوال، مرت حركة فتح بعدة انشقاقات؛ إذ ارتهن البعض لأنظمة كانت تعمل لغير صالح القضية الفلسطينية، بدءاً بأبي نضال زعيم “المجلس الثوري” الذي تحول إلى بندقية للإيجار في خدمة الزعيم الليبي معمر القذافي والعراقي صدام حسين، وصولاً إلى الانشقاق الذي قاده العقيد أبو موسى ومعه أبو خالد العملة، بتحريض من حافظ الأسد ودعم من القذافي أيضاً، قبل أن ينتهي هذا التنظيم إلى أقذر مزبلة في التاريخ بعد أن حمل السلاح وقتل مَن قتل من الفلسطينيين في مخيمات لبنان وخاصة طرابلس.
رغم ذلك، كانت فتح تخرج دائماً من أضيق المعابر إلى أوسع الساحات، منتصرةً في قرارها واستقلاليتها. لكن الانقسام الذي حدث بعد فصل القيادي محمد دحلان من الحركة في يونيو 2011، شكّل خطورة كبيرة على مصير الحركة -وإن رآه البعض في بدايته حدثاً عابراً- كونَهُ وقع في قلب المجتمع الفلسطيني في الداخل وليس الخارج كما درجت العادة في الانشقاقات السابقة. كما أنه تحول إلى معركة كسر عظم بين أبرز القيادات بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات، فبات كل طرف يبحث عن سدّ الفراغ (أو جزء منه) الذي تركه الزعيم الراحل.
تريد حركة فتح الحفاظ على مشروعها الوطني ومسيرة بندقيتها الطاهرة، وإنهاء الانقسام، والعبور بقوة إلى مرحلة الإصلاح والبناء والتمكين، ومواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية والاستيطانية، ودحر مخططات غلاة المتطرفين في حكومة الاحتلال. فيما يسعى التيار الديمقراطي للعودة إلى المشاركة في صنع القرار الفلسطيني، والمساهمة في عملية البناء، وإنهاء المأساة التي خلفها العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، وتوحيد شطري الوطن، مقدماً أوراقه الثمينة من علاقات وازنة مع دول غربية واتصالات اتضح أنها وصلت إلى مستوى مرموق سيكون في خدمة المستقبل الفلسطيني.
اليوم يعلم كل طرف ما يريده من نظيره، ومن الواضح أن المرحلة الحساسة التي تمر بها فتح والنتائج الكارثية -إن استمر هذا الانقسام- لن ترضي أيّاً من الطرفين مهما بلغت درجة الخصومة. فالجميع على يقين بأن الحوار والمصالحة يصبّان في مصلحة الكل، وأن عرش فتح يتسع للجميع كما كان تاريخياً.