في خضم المرحلة الأخطر التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود، وفي ظل حرب إبادة مفتوحة وغطرسة صهيونية غير مسبوقة، جاءت تصريحات الأخ عزام الأحمد حول حركة حماس وسلاحها لتفتح نقاشًا داخليًا واسعًا، ليس فقط داخل حركة فتح، بل في الشارع الفلسطيني عامة.
ولعلّ ما يميّز هذه اللحظة أن ردود الفعل لم تكن سياسية فقط، بل عاطفية أيضًا، نتيجة الجراح العميقة التي خلّفها الانقسام وما رافقه من صدامات وانتهاكات مؤلمة بحق أبناء الشعب الواحد، وخاصة كوادر حركة فتح.
تصريحات عزام الأحمد لم تأتِ في فراغ، بل في لحظة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لمحاولات تصفية شاملة، سواء عبر العدوان العسكري أو عبر الضغوط السياسية الدولية لتجريم المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها، وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني وفق شروط الاحتلال.
في هذا السياق، فإن التأكيد على أن حماس ليست تنظيمًا إرهابيًا هو موقف سياسي موجه بالدرجة الأولى إلى المجتمع الدولي، وليس تقييمًا داخليًا لتجربة الحركة أو أخطائها.
فمن منظور القانون الدولي، المقاومة ضد الاحتلال حق مشروع، وتجريمها يعني شرعنة
رفض سحب سلاح حماس لا يعني بالضرورة تبرئة سياساتها الداخلية أو أخطائها، بل هو موقف يتعلق بمعادلة الصراع مع الاحتلال.
فأي دعوة لنزع سلاح فصيل مقاوم تحت الاحتلال تُستخدم عادة كمدخل لتصفية القضية بالكامل وتحويل الشعب الفلسطيني إلى حالة إدارية بلا قدرة على الدفاع عن نفسه.
لكن هذا لا يلغي السؤال الداخلي المشروع حول وحدة السلاح تحت مظلة وطنية واحدة، وحول ضرورة أن يكون السلاح في خدمة المشروع الوطني وليس أداة في الصراع الداخلي.
من الطبيعي أن يشعر كثير من أبناء فتح بالغضب من تصريحات تبدو متسامحة مع حماس، خاصة بعد سنوات من الانقسام، وما رافقها من اعتقالات وملاحقات وانتهاكات وإهانات طالت كوادر الحركة ومؤسساتها.
هذه الجراح لا تُمحى بتصريحات سياسية، ولا يمكن تجاوزها دون مصالحة وطنية حقيقية قائمة على العدالة والاعتراف بالأخطاء.
والنقد الداخلي داخل فتح ليس ضعفًا، بل دليل حيوية سياسية وحرص على الحركة وتاريخها.
الخلاف بين فتح وحماس هو خلاف سياسي وتنظيمي على الرؤية والإدارة والشرعية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى صراع وجودي يخدم الاحتلال.
فالاحتلال لا يميّز بين فتح وحماس عندما يقصف غزة أو يقتحم الضفة أو يهوّد القدس.
وأي تفكك داخلي هو رصيد استراتيجي مجاني للمشروع الصهيوني.
ما نحتاجه اليوم ليس سجالًا داخليًا يزيد الانقسام، بل خطابًا وطنيًا عقلانيًا يجمع بين:
• الدفاع عن حق المقاومة ضد الاحتلال
• رفض استخدام السلاح في الصراع الداخلي
• احترام التعددية السياسية
• إعادة بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية جامعة
• الاعتراف بالأخطاء من جميع الأطراف دون شيطنة أو تخوين
تصريحات عزام الأحمد يمكن فهمها كجزء من معركة سياسية أكبر لحماية شرعية القضية الفلسطينية في وجه محاولات التجريم والتصفية، وليست تبريرًا لكل ما قامت به حماس أو دعوة لتجاهل أخطاء الماضي.
الغضب مفهوم، والنقد مشروع، لكن اللحظة التاريخية التي نعيشها تتطلب عقلًا باردًا وقلبًا وطنيًا كبيرًا، لأن الانقسام لم يعد خلافًا داخليًا فقط، بل ثغرة استراتيجية يستثمرها الاحتلال بكل قوته.
الوحدة الوطنية ليست شعارًا، بل شرط بقاء






