حسان البلعاوي ( سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مالي )
في الثالث من أغسطس ١٩٧٨ فقدت الحركة الوطنية الفلسطينية أحد أبرز وجوهها السياسية والثقافية باغتيال عز الدين القلق، ثاني ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، مع زميله عدنان حماد ، داخل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في اليونسكو في باريس. ولم يكن اغتيال القلق حدثاً معزولاً، بل جاء في سياق حملة إسرائيلية منظمة استهدفت الكوادر الفلسطينية التي نجحت في نقل القضية الفلسطينية إلى الرأي العام الأوروبي، بعد أن أدركت إسرائيل أن معركة فلسطين لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بالكلمة والصورة والثقافة.
ورغم مرور عقود على استشهاده، ما زال اسم عز الدين القلق يحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الفلسطينية والعربية، كما يحظى باحترام واسع في الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية المتضامنة مع فلسطين. ولم يكن ذلك فقط لأنه دفع حياته ثمناً لمواقفه، وإنما لأنه كان أحد أبرز مؤسسي مدرسة فلسطينية سبقت عصرها، مدرسة جعلت من الثقافة والإعلام والفن أدوات للنضال الوطني قبل أن يظهر في الأدبيات السياسية مصطلحا الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية العامة بعقود.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تخصص الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، التي أعدتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالتعاون مع المتحف الفلسطيني، مادة توثيقية وافية عن حياته، باعتباره واحداً من الشخصيات التي أسهمت في صياغة الحضور الفلسطيني في أوروبا خلال مرحلة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية.
لكن الحديث عن عز الدين القلق لا يكتمل إذا اقتصر على سيرته الشخصية، لأن الرجل كان جزءاً من تجربة جماعية أوسع، وتجسيداً لجيل كامل من المناضلين الفلسطينيين الذين نجحوا، في ظروف سياسية شديدة التعقيد، في بناء أول حضور فلسطيني منظم في أوروبا الغربية، قبل أن تمتلك منظمة التحرير الفلسطينية سفاراتها وتمثيلها الدبلوماسي الرسمي.
فمع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في الأول من كانون الثاني/يناير 1965، كانت قيادة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية تدرك أن معركة التحرير ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة رواية وصورة ورأي عام. وكانت تؤمن بأن الكلمة الصادقة شقيقة الرصاصة، وأن الانتصار السياسي يبدأ بكسب العقول قبل كسب المواقف الرسمية.
ومن هذا الإدراك، بدأت الثورة الفلسطينية منذ سنواتها الأولى بإيفاد كوادرها الشابة، المتعلمة والمثقفة، إلى عدد من دول أوروبا الغربية. ولم يكن الهدف إنشاء مكاتب سياسية فحسب، وإنما بناء حضور فلسطيني داخل الجامعات ووسائل الإعلام والأحزاب والنقابات والمؤسسات الثقافية، مستفيدين من وجود الطلبة الفلسطينيين الذين كانوا ينشطون في إطار الاتحاد العام لطلبة فلسطين، إلى جانب استقطاب الكفاءات الفلسطينية والعربية المقيمة في أوروبا.
في تلك المرحلة، لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع باعتراف رسمي لدى معظم الدول الأوروبية، ولذلك لم تكن تمتلك سفارات أو بعثات دبلوماسية بالمعنى القانوني. ولهذا ظهرت ما عُرف بـ مكاتب الإعلام والاتصال، التي بدأت في باريس قبل أن تمتد إلى لندن وبروكسل وروما وبون ومدريد وغيرها من العواصم الأوروبية. وفي بعض البلدان عملت هذه المكاتب في بداياتها من داخل بعثات جامعة الدول العربية، قبل أن تستقل تدريجياً مع اتساع الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولم تكن وظيفة هذه المكاتب إصدار البيانات السياسية فقط، بل كانت مهمتها الأساسية بناء العلاقات مع وسائل الإعلام، والأحزاب، والنقابات، والجامعات، والمثقفين والفنانين، وتقديم الرواية الفلسطينية إلى الرأي العام الأوروبي، في مواجهة الرواية الإسرائيلية التي كانت تتمتع آنذاك بحضور واسع في الإعلام الغربي.
ولم يكن هذا المشروع فلسطينياً خالصاً، بل شارك فيه عشرات المثقفين والمناضلين العرب من المشرق والمغرب العربي، الذين رأوا في الدفاع عن فلسطين جزءاً من مشروعهم القومي والإنساني، وأسهموا مع الفلسطينيين في بناء واحدة من أهم شبكات التضامن السياسي والثقافي التي عرفتها أوروبا خلال سبعينيات القرن الماضي.
وفي قلب هذه التجربة برز جيل استثنائي من الرواد، لم يكونوا سفراء بالمعنى التقليدي، بل مثقفين ومناضلين حملوا فلسطين معهم إلى أوروبا.
ففي روما، اختارت منظمة التحرير الفلسطينية المترجم والأديب الفلسطيني وائل زعيتر، ابن المترجم الكبير عادل زعيتر، ليتولى إدارة مكتبها هناك. وقد اشتهر بترجماته للأدب العربي إلى الإيطالية وبعلاقاته الوثيقة مع كبار المثقفين الإيطاليين، وفي مقدمتهم ألبرتو مورافيا، قبل أن يغتاله الموساد الإسرائيلي عام 1972.
وفي باريس، أوفدت حركة فتح محمود الهمشري، الذي نجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الأحزاب والنقابات والإعلاميين والمثقفين الفرنسيين، وأسهم في تنظيم زيارات لعدد من الباحثين والصحفيين الفرنسيين إلى قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن، الأمر الذي أنتج لاحقاً عشرات الدراسات والكتب التي نقلت الرواية الفلسطينية إلى فرنسا.
وفي لندن، برز سعيد حمامي، الذي جمع بين العمل السياسي والثقافي، ونجح في فتح قنوات حوار مع الأوساط الفكرية والإعلامية البريطانية، مقدماً القضية الفلسطينية بلغة الحوار والانفتاح. أما في بروكسل، فقد أصبح نعيم خضر أحد أبرز وجوه العمل الفلسطيني، إذ بدأ ناشطاً طلابياً قبل أن يقود العمل الفلسطيني في بلجيكا، وينسج شبكة واسعة من العلاقات مع المؤسسات الأوروبية والأحزاب ووسائل الإعلام، قبل أن يغتاله الموساد عام 1981.
وفي ألمانيا، لعب نبيل نصار دوراً إعلامياً وثقافياً بارزاً، من خلال إصداره نشرة دورية عن فلسطين باللغة الألمانية، كانت من أوائل الإصدارات الفلسطينية الموجهة إلى القارئ الألماني، وأسهمت في تعريف المجتمع الألماني بالقضية الفلسطينية في مرحلة كانت الرواية الفلسطينية فيها شبه غائبة عن الإعلام الألماني.
غير أن هذه الأسماء لم تكن سوى نماذج من عشرات الكوادر الفلسطينية والعربية التي انتشرت في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية، وأسهمت في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الجامعات والنقابات والأحزاب ووسائل الإعلام والأوساط الثقافية. وهي تجربة ما تزال بحاجة إلى دراسة وتوثيق، لأنها تمثل واحدة من أكثر صفحات الحركة الوطنية الفلسطينية ثراءً، وأقلها تناولاً في الكتابات التاريخية.
عز الدين القلق… المثقف الذي جعل الثقافة ساحة للنضال
في هذا المناخ السياسي والثقافي تشكلت شخصية عز الدين القلق. فقد وصل إلى فرنسا في منتصف ستينيات القرن العشرين لمتابعة دراسته العليا في الكيمياء، لكنه لم يكن طالباً عادياً جاء بحثاً عن شهادة جامعية، بل كان يحمل معه تجربة سياسية وثقافية سبقت وصوله إلى باريس. ففي سوريا، حيث أقام لفترة من حياته، عرف النشاط الوطني مبكراً وتعرض للاعتقال بسبب مواقفه السياسية، كما برزت لديه ميول أدبية واضحة، فكتب الشعر والرواية واهتم بالفكر، وهو ما جعله يجمع منذ شبابه بين الحس الثقافي والالتزام الوطني.
وينحدر عز الدين القلق من مدينة حيفا، وقد اختار له والده، محمد القلق، اسم “عز الدين” تيمناً بالشيخ المجاهد عز الدين القسام، في دلالة رمزية رافقته طوال حياته، وكأن الاسم رسم منذ البداية مساراً يجمع بين الفكر والمقاومة.
وبمجرد وصوله إلى فرنسا انخرط في صفوف الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي كان آنذاك المدرسة الأولى التي تخرج فيها معظم كوادر العمل الوطني الفلسطيني في أوروبا. وسرعان ما برز بين زملائه، ليس فقط لقدراته التنظيمية، وإنما أيضاً لاتساع ثقافته وإتقانه اللغة الفرنسية، الأمر الذي أهله ليكون حلقة وصل بين الطلبة الفلسطينيين والمجتمع الفرنسي.
وإلى جانب الشهيد محمود الهمشري، أسهم عز الدين في توسيع حضور الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الجامعات الفرنسية، وشارك في إصدار مجلة «فدائيون» باللغة الفرنسية، التي تحولت إلى واحدة من أهم المنابر الإعلامية الفلسطينية في أوروبا. ولم تكن المجلة مجرد وسيلة للدعاية السياسية، بل شكلت مساحة للحوار الفكري والثقافي، واستقطبت عدداً كبيراً من المثقفين والطلبة العرب من المشرق والمغرب العربي، ممن أصبح كثير منهم لاحقاً شخصيات بارزة في الحياة السياسية والثقافية والإعلامية في بلدانهم.
ومع مرور الوقت، أخذ عز الدين يبلور رؤية مختلفة لطبيعة النضال الفلسطيني في أوروبا. فقد كان مقتنعاً بأن البيانات السياسية وحدها لا تكفي، وأن الرواية الفلسطينية لن تصل إلى المجتمع الأوروبي إلا إذا دخلت إلى فضائه الثقافي والفني. ومن هنا بدأ اهتمامه يتجه إلى السينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى، باعتبارها أدوات لا تقل أهمية عن الخطاب السياسي.
ولذلك نسج شبكة واسعة من العلاقات مع الصحفيين والكتاب والناشرين والمخرجين والفنانين الفرنسيين، كما أقام صلات وثيقة مع زملائه في مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في لندن وبروكسل وبون ومدريد وروما، فكانت بينهم حالة من التنسيق المستمر، وتبادل للمطبوعات والأفلام والوثائق والأفكار، بما جعل أوروبا الغربية تشهد لأول مرة شبكة فلسطينية ثقافية وإعلامية متكاملة.
ولم تكن هذه الشبكة تقتصر على الفلسطينيين، بل ضمت عدداً كبيراً من المثقفين العرب والأوروبيين الذين تبنوا الدفاع عن القضية الفلسطينية، وأسهموا في تنظيم الندوات والمعارض والعروض السينمائية واللقاءات الفكرية في الجامعات والمراكز الثقافية الأوروبية. وهكذا تشكلت مدرسة فلسطينية حقيقية في العمل الثقافي، سبقت بسنوات طويلة ظهور المفاهيم الأكاديمية التي تعرف اليوم باسم الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية العامة.
ومن أبرز المبادرات التي ارتبطت باسم عز الدين القلق علاقته بحركة السينما الجديدة في فرنسا، حيث أقام صلات مع عدد من كبار المخرجين، وفي مقدمتهم جان لوك غودار، وأقنع بعضهم بزيارة قواعد الثورة الفلسطينية والاطلاع مباشرة على التجربة الفلسطينية. وقد كان يؤمن بأن الفيلم قادر على الوصول إلى جمهور أوسع من أي بيان سياسي، ولذلك عمل على أن تصبح السينما الفلسطينية جزءاً من الحوار الثقافي الأوروبي.
ولهذا السبب، كان كل فيلم تنتجه مؤسسة السينما الفلسطينية في الأردن، ثم في لبنان، يصل إلى باريس، حيث كان عز الدين يشرف على نسخه وترجمته إلى اللغة الفرنسية، قبل توزيعه على فروع الاتحاد العام لطلبة فلسطين، ولجان التضامن، والجمعيات الثقافية، بل وعلى المؤسسات في مختلف البلدان الناطقة بالفرنسية. وكان يرى أن الصورة قادرة على اختراق الحدود السياسية والوصول إلى وجدان الناس بصورة أسرع من أي خطاب.
ولم يقتصر اهتمامه على السينما، بل امتد إلى الفن التشكيلي. فقد تعاون مع عدد من الفنانين الأوروبيين، ومن بينهم الفنان الفرنسي كلود لازار، لإطلاق فكرة غير مسبوقة تقوم على دعوة الفنانين في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى إهداء لوحة فنية لفلسطين، مستلهماً تجربة التضامن الفني مع تشيلي بعد الانقلاب العسكري هناك.
وقد افتتح الرئيس ياسر عرفات عام 1978 في بيروت أول معرض عالمي للفن التشكيلي من أجل فلسطين، بمشاركة مئات الفنانين من مختلف أنحاء العالم. وقد اعتبرت إسرائيل هذا المشروع الثقافي خطراً حقيقياً، فقامت لاحقاً بقصف المكان الذي كانت تحفظ فيه الأعمال الفنية في جامعة بيروت العربية، في محاولة لتدمير هذا الإنجاز الثقافي.
وكان عز الدين يؤمن أيضاً بأن الوثيقة التاريخية يمكن أن تكون سلاحاً سياسياً. ولهذا جمع خلال سنوات إقامته في باريس آلاف النشرات والملصقات والوثائق الفلسطينية، محافظاً عليها بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية.
أما مشروعه الأكثر تميزاً، فكان جمع البطاقات البريدية التاريخية لفلسطين. فقد قادته الصدفة ذات يوم إلى أكشاك الكتب القديمة المنتشرة على ضفاف نهر السين، حيث عثر على بطاقات بريدية أرسلها سياح أوروبيون من القدس ويافا وحيفا وعكا ونابلس والناصرة وغيرها من المدن الفلسطينية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكانت جميعها تحمل اسم فلسطين.
وأدرك عز الدين منذ اللحظة الأولى أن هذه البطاقات ليست مجرد مقتنيات لهواة الجمع، وإنما وثائق تاريخية تثبت حضور اسم فلسطين في الوعي الأوروبي قبل قيام إسرائيل بعقود. ولذلك أمضى سنوات في جمعها وتصنيفها، حتى أصبحت مجموعته واحدة من أهم المجموعات الخاصة المتعلقة بتاريخ فلسطين، وتحولت لاحقاً إلى مرجع مهم للباحثين في التاريخ الفلسطيني.
ومن خلال هذه التجارب جميعها، لم يكن عز الدين القلق يبني فقط شبكة من العلاقات أو ينظم نشاطاً ثقافياً، بل كان يؤسس لرؤية جديدة للعمل الوطني الفلسطيني، رؤية تعتبر الثقافة والفن والسينما والوثيقة التاريخية أدوات نضال لا تقل أهمية عن الخطاب السياسي أو النشاط الدبلوماسي، وهي الرؤية التي ستترك أثراً عميقاً في جيل كامل من المناضلين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم ليلى شهيد، التي ستصبح لاحقاً واحدة من أبرز الوجوه الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا.
من عز الدين القلق إلى ليلى شهيد… مدرسة صنعت جيلاً كاملاً
لم يكن تأثير عز الدين القلق مقتصراً على ما أنجزه في حياته القصيرة، بل امتد إلى الأشخاص الذين عملوا معه، والذين حملوا لاحقاً جزءاً من مشروعه الفكري والسياسي. فقد كان يؤمن بأن بناء المؤسسات لا يقل أهمية عن بناء الإنسان، وأن استمرارية القضية الفلسطينية في أوروبا تعتمد على إعداد جيل جديد من الكوادر القادرة على مخاطبة المجتمع الأوروبي بلغته وثقافته.
ومن أبرز من تأثروا بهذه المدرسة السفيرة الفلسطينية الراحلة ليلى شهيد، التي كانت تقدم نفسها دائماً بوصفها إحدى تلميذات عز الدين القلق. فقد وصلت إلى فرنسا لمتابعة دراستها في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بعد تجربتها الطلابية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانت تميل في البداية إلى التفرغ للدراسة والبحث العلمي. غير أن عز الدين القلق أقنعها بأن القضية الفلسطينية تحتاج أيضاً إلى الباحثين والمثقفين، وأن العمل الوطني لا يتعارض مع التفوق الأكاديمي، بل يكتمل به.
وبفضل تشجيعه، عادت ليلى إلى النشاط الطلابي، ودعم ترشحها لرئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب. ولم يكتف بذلك، بل كان يرسلها إلى المهرجانات السينمائية والمعارض الفنية والندوات الثقافية، ويكلفها بإقامة علاقات مع الفنانين والمثقفين والصحفيين الفرنسيين، إيماناً منه بأن بناء شبكة من الأصدقاء والمتضامنين مع فلسطين هو استثمار طويل الأمد لا يقل أهمية عن أي نشاط سياسي مباشر.
وقد بقي هذا التأثير يرافق ليلى شهيد طوال حياتها الدبلوماسية. وقبل أشهر قليلة من رحيلها، أتيحت لي فرصة إجراء حديث مطول معها، استعادت خلاله كثيراً من ذكرياتها عن تلك المرحلة، وكان اسم عز الدين القلق حاضراً في كل محطة من محطات الحديث. تحدثت عن جولاتهما في مكتبات باريس القديمة بحثاً عن البطاقات البريدية التاريخية لفلسطين، وعن حرصه على جمع الأفلام والملصقات والوثائق، وعن اقتناعه بأن الثقافة جزء من معركة التحرر الوطني.
كما روت كيف كان يشعر، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، بأنه أصبح هدفاً لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وأنه كان يدرك حجم المخاطر التي تحيط به، لكنه لم يسمح لذلك بأن يغير أسلوب حياته أو يقلل من نشاطه، وظل يعمل حتى يوم استشهاده.
ولم يكن عز الدين حالة استثنائية منفصلة عن محيطه، بل كان جزءاً من مدرسة فلسطينية كاملة امتدت من روما إلى باريس، ومن لندن إلى بروكسل وبون ومدريد، وشارك في بنائها وائل زعيتر، ومحمود الهمشري، وسعيد حمامي، ونعيم خضر، ونبيل نصار، وعشرات المناضلين الفلسطينيين والعرب الذين جعلوا من أوروبا ساحة جديدة للنضال الفلسطيني.
لقد حمل هؤلاء فلسطين إلى الجامعات، وإلى الصحف، وإلى دور النشر، وإلى قاعات السينما، وإلى المعارض الفنية، وإلى النقابات والأحزاب، في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع بالاعتراف الدبلوماسي الذي حصلت عليه لاحقاً. ولم يكونوا سفراء بالمعنى التقليدي، بل كانوا سفراء للرواية الفلسطينية، ومدافعين عن حق شعبهم في الوجود والحرية والاستقلال.
واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على تلك التجربة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة قراءة هذه المرحلة وتوثيقها بصورة علمية، لأنها تمثل إحدى أكثر الصفحات إشراقاً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه واحدة من أقلها حضوراً في الدراسات التاريخية. فمعظم الكتابات ركزت على الكفاح المسلح أو على العمل السياسي الرسمي، بينما بقيت تجربة العمل الثقافي والإعلامي الفلسطيني في أوروبا، بكل ما حملته من إبداع ومبادرة وتأثير، في هامش السردية التاريخية.
إن استذكار عز الدين القلق لا ينبغي أن يكون مجرد وقفة وفاء لشخصية وطنية بارزة، بل هو استذكار لمرحلة كاملة من تاريخ الثورة الفلسطينية، ولجيل من المثقفين والمناضلين الذين سبقوا عصرهم، ومارسوا ما يعرف اليوم بالدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية العامة قبل أن تتحول إلى حقول أكاديمية تُدرّس في الجامعات.
لقد أدرك هؤلاء، بالفطرة والتجربة، أن الثقافة ليست ترفاً، وأن الفن ليس نشاطاً هامشياً، وأن الكتاب والفيلم واللوحة الفنية والوثيقة التاريخية يمكن أن تكون جميعها أدوات نضال لا تقل تأثيراً عن الخطاب السياسي. ومن خلال هذا الفهم نجحوا في فتح أبواب الجامعات الأوروبية، ووسائل الإعلام، والأوساط الفكرية، أمام الرواية الفلسطينية، وأسهموا في بناء شبكة تضامن دولية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
ومن هنا، فإن إحياء ذكرى عز الدين القلق هو في الوقت نفسه وفاء لوائل زعيتر، ومحمود الهمشري، وسعيد حمامي، ونعيم خضر، ونبيل نصار، وليلى شهيد، ولكل المناضلين الفلسطينيين والعرب والأوروبيين الذين آمنوا بعدالة القضية الفلسطينية، وحملوا صوتها إلى العالم قبل أن تمتلك فلسطين سفاراتها وممثلياتها الرسمية.
ولعل أفضل تكريم لهذا الجيل لا يقتصر على استذكار أسمائه في المناسبات السنوية، بل يتمثل في إعادة كتابة تاريخه، وتوثيق سيرته، ودراسة تجربته بوصفها واحدة من أنجح تجارب الدبلوماسية الثقافية في حركات التحرر الوطني خلال القرن العشرين. فهذه التجربة لم تكن مجرد فصل في تاريخ فلسطين، بل كانت إسهاماً فلسطينياً أصيلاً في تطوير مفهوم القوة الناعمة قبل أن يصبح هذا المفهوم جزءاً من الأدبيات السياسية المعاصرة.
وفيما يلي، يرد ملخص عن حياة الشهيد عز الدين القلق كما أوردته الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بالتعاون مع المتحف الفلسطيني.
وُلد عز الدين محمد سعيد القلق في مدينة حيفا عام 1936، في أسرة فلسطينية عاشت أجواء النهوض الوطني في فلسطين قبل النكبة. وقد اختار له والده اسم “عز الدين” تيمناً بالشيخ المجاهد عز الدين القسام، في دلالة مبكرة على المكانة التي احتلتها القضية الوطنية في محيطه العائلي.
بدأ تعليمه في مدارس حيفا، لكن نكبة عام 1948 أجبرت أسرته على اللجوء إلى دمشق، حيث أكمل دراسته الإعدادية في مدرسة ابن خلدون، والثانوية في مدرسة الميدان، قبل أن يلتحق بكلية العلوم في جامعة دمشق لدراسة الكيمياء.
وخلال سنوات الجامعة، لم يقتصر اهتمامه على العلوم، بل انفتح على الحياة الثقافية السورية، فارتبط بعلاقات مع عدد من الأدباء والمثقفين، من بينهم شوقي بغدادي وسعيد مراد، وشارك في نشاط رابطة «وحي القلم» الأدبية، وبرز اهتمامه بالقصة القصيرة والترجمة والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية. ونشر منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي عدداً من قصصه في الصحف السورية، كما ترجم أعمالاً من الأدب الأمريكي والصيني، الأمر الذي أسهم في صقل شخصيته الثقافية مبكراً.
وفي تلك المرحلة انخرط في النشاط السياسي، وانضم إلى الحزب الشيوعي السوري، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله بين عامي 1959 و1961 في سجن المزة. وبعد الإفراج عنه، استكمل دراسته الجامعية، فنال إجازة في الكيمياء عام 1963، ثم عمل مدرساً للعلوم في المملكة العربية السعودية لمدة عامين.
وفي عام 1965 انتقل إلى فرنسا لمتابعة دراساته العليا، فدرس اللغة الفرنسية قبل أن يلتحق بجامعة بواتييه، حيث حصل عام 1969 على دكتوراه الحلقة الثالثة في الكيمياء الفيزيائية. وكانت سنواته الفرنسية نقطة التحول الكبرى في حياته؛ ففيها جمع بين تكوينه الأكاديمي الرفيع وانخراطه الكامل في العمل الوطني الفلسطيني، فانضم إلى حركة فتح، وانتُخب رئيساً للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، ليبدأ مسيرة جعلته أحد أبرز رواد العمل السياسي والثقافي والإعلامي الفلسطيني في أوروبا.
وقد جمع عز الدين القلق بين شخصية الأكاديمي والمثقف والمناضل، فإلى جانب نشاطه السياسي، عمل فترة في إذاعة مونتي كارلو، وأسهم في تأسيس مجلة «فدائي» باللغة الفرنسية، واهتم بتوثيق التراث الفلسطيني من خلال جمع الملصقات والبطاقات البريدية والطوابع، كما أسس قسماً للسينما الفلسطينية في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، مؤمناً بأن الثقافة والفنون تشكل إحدى أهم أدوات الدفاع عن القضية الفلسطينية والتعريف بها في العالم.