في دروب الثورة الطويلة، لم تكن المرأة الفتحاوية يومًا ظلًا في المشهد، بل كانت نارًا تكتب سطور الحكاية. يوم خرجت حركة فتح إلى الضوء، لم تكن البنادق وحدها هي التي حملت الحلم، بل حملته أيضًا أكتاف الأمهات، وعيون الثائرات اللواتي آمنَّ بأن الحرية ليست كلمة تُقال، بل قدر يُصنع. كانت المرأة الفتحاوية في المخيمات خيمة وامل يرسم ملامح المستقبل ، وفي كل بيت كانت الملهمة للابناء فتبث في وجدانهم روح الكرامة وتضيء سراج الثورة ، وفي الميدان كانز روحًا لا تنكسر. ومن رحم تلك الأيام خرجت أسماءٌ نسجت حضورها في الذاكرة الوطنية مثل الثائرة فاطمة البرناوي التي اقتحمت زمن الخوف بشجاعة البدايات، و*انتصار الوزير* التي حملت عبء التنظيم والعمل الوطني باصرار المقاتلين، وغيرهن من الفتحاويات اللواتي لم يطلبن الأضواء لأنهن كنّ أنفسهن ضوءًا وهاجا في العتمة.
لكن الزمن دار، وتبدلت الوجوه، وبقي سؤال موجع يتسربل في ثنايا جدران التنظيم: كيف لامرأةٍ شاركت في صنع الثورة أن تقف اليوم على هامش القرار؟ كيف لمن كانت شريكة في الحلم أن تتحول في بعض المحطات إلى صورة في الصفوف الأمامية، بينما تُكتب القرارات في غرف يغيب عنها صوتها؟ ونحن نقف اليوم على أعتاب المؤتمر الثامن لحركة فتح، لا يعود هذا السؤال مجرد همس نسوي، بل يصبح صرخة الضمير الثورية داخل بيت فتح نفسه.
لقد حضرت المرأة الفتحاوية في المؤتمرات، في القاعات، في اللجان، في التصفيق الذي يعلو عندما تُرفع الشعارات. حضرت بوجهها المضيء، وبوفائها الذي لم يتبدل. لكنها كثيرًا ما وجدت نفسها أمام جدار غير مرئي حين يقترب الحديث من مواقع القرار. كأن الطريق التي أوصلتها إلى الميدان توقفت فجأة عند باب القيادة. وكأن التاريخ الذي كتبته بإصرارها لم يتحول بعد إلى حقٍ كامل في صياغة المستقبل الحركي.
البعض يهمس بأن السبب عقلية ذكورية ما زالت تسكن في زوايا التنظيم، عقلية ترى القيادة إرثًا يتوارثه الرجال، حتى وإن لم يقولوا ذلك صراحة. والبعض الآخر يذهب أبعد من ذلك، فيقول إن المرأة نفسها لم تخض معركة الوصول إلى القرار بما يكفي، وأن كثيرًا من الطاقات النسوية بقيت أسيرة التردد أو المجاملة التنظيمية، بدل أن تتحول إلى قوةٍ ضاغطة تصنع حضورها بجرأة. وربما الحقيقة تسكن في المسافة بين الأمرين معًا: ثقافة تقليدية تُبطئ الخطى، وتردد نسوي لم يتحول بعد إلى اندفاع جماعي يكسر الحواجز ويفتح الابواب .
لكن الحقيقة الأكبر أن التاريخ لا يفتح أبوابه لمن يكتفي بالانتظار. فالثورة التي ولدت من رحم الجرأة لا يمكن أن تستمر بعقلية الحذر. والمرأة التي استطاعت أن تقف في وجه السجان والاحتلال والمنافي، ليست أضعف من أن تقف في وجه جدار تنظيمي يمنعها من الوصول لموقع القرار مهما كان صلبًا. إن المسألة لم تعد مسألة تمثيل، بل مسألة شراكة حقيقية في صناعة القرار. فالمرأة التي حملت الثورة في أيامها الأولى لا يليق بها أن تكون مجرد شاهد على قراراتها في أيامها اللاحقة.
إن المرأة الفتحاوية اليوم، وهي تنظر إلى تاريخ الحركة، تعرف في أعماقها أن الطريق لم يُفتح يومًا بالاستئذان، بل بالإرادة. وأن مواقع القرار لا تُمنح كهدية، بل تُنتزع بجدارة الحضور وقوة التأثير . وحين تدرك المرأة داخل حركة فتح أن قوتها ليست في عدد المقاعد التي تُمنح لها، بل في قدرتها على أن تكون رقمًا صعبًا في المعادلة الداخلة، فإن المشهد كله سيتغير.
ولعل لحظة المؤتمر الثامن لحركة فتح ليست مجرد محطة عادية في مسيرة الحركة، بل اختبار صريح لقدرتها على أن تجدد روحها. فالحركة التي قادت الشعب والجماهير إلى الثورة لا يمكن أن تبقى أسيرة عقليات تنظيمية قديمة. والمرأة التي كانت قلب الحكاية لا يجوز أن تبقى هامشها.
فيا اختي الفتحاوية الماجدة … تذكري أن الثورة التي حملت اسمك يومًا لم تُخلق لتضعي الزهور على طريقها فقط، بل لتسيري في مقدمتها. وتذكري أن التاريخ لا يذكر من صفقوا في القاعات بقدر ما يذكر من يصنعون القرار والامل ويرسمون وجه المستقبل . اليوم ليس يوم السؤال عن مكانك في الحركة، بل يوم تذكير الحركة كلها بأنك كنتِ دائمًا جزءًا من روحها، وأن الروح حين تنهض… لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها حين تكون مليئة بالشجاعة ومسلحة بالاصرار ،،،نعم لوصول المرأة الفتحاوية لمراكز صنع القرار ..





